تعيش مدينة حمص، كغيرها من المدن السورية، تحت وطأة أزمات معيشية متراكمة جعلت أبسط متطلبات الحياة اليومية تحديًا حقيقيًا للمواطنين.
فبين نظافة الشوارع، وتوافر الخدمات الأساسية، واستقرار الدخل، تتقلص المساحة التي يمكن أن يتحرك ضمنها الفرد لتأمين حياة كريمة أو حتى مستقرة نسبيًا.
ومع استمرار التراجع الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة، بات الحديث عن “بناء مستقبل بسيط” أقرب إلى طموح مؤجل منه إلى هدف قابل للتحقق.
في هذا السياق، يقول محمود البويضاني، أحد سكان مدينة حمص، في حديث لمنصة “سوريا 24”، إن المشكلة لم تعد محصورة في ضعف البنية التحتية أو تعقيدات إدارة المدينة، بل تتجاوز ذلك إلى ما وصفه بـ”الجدار الخفي” الذي يمنع المواطن العادي من إطلاق مشروعه الصغير، حتى لو امتلك الفكرة والقدرة والرغبة.
عقبات أمام المبادرات الفردية
يوضح البويضاني أن الشاب أو رب الأسرة، حتى في حال تمكن من جمع بعض المدخرات، يصطدم بسلسلة من العراقيل تبدأ بغموض القوانين ولا تنتهي عند تعقيدات البيروقراطية.
ويضيف أن غياب الشفافية وضعف الضمانات القانونية للمستثمر الصغير يجعلان أي محاولة للدخول في سوق العمل محفوفة بالمخاطر، في ظل بيئة لا توفر الحد الأدنى من الطمأنينة للاستثمار المحلي المحدود.
ولا تقف الصعوبات عند هذا الحد، إذ تمتد إلى صعوبة الوصول إلى التمويل، وغياب الدعم المؤسسي الحقيقي للمشاريع الصغيرة، إضافة إلى تأخر إجراءات الموافقة حتى على المشاريع البسيطة.
ووفق مراقبين، فإن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في تجميد طاقات شبابية واسعة، وإبقاء أفكار إنتاجية حبيسة الأدراج، بينما تعيش عائلات كثيرة على حافة الفقر دون بدائل واضحة.
دعوات لخطوات عملية قبل رمضان
في محاولة للبحث عن حلول واقعية، دعا عدد من أهالي حمص غرفة تجارة حمص إلى تنظيم معرض تجاري مؤقت، على غرار “معرض السلام”، لمدة عشرين يومًا.
وتهدف هذه المبادرة إلى إتاحة الفرصة أمام الشباب الذين يسعون لتأمين مصدر رزق ولا يملكون متاجر دائمة، مع التركيز على صغار الباعة وعدم إشراك الشركات الكبيرة.
ويرى أصحاب الدعوة أن المعرض يمكن أن يوفر مساحة تجارية مؤقتة تمكّن المشاركين من المنافسة بأسعار المواد الغذائية، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان.
كما يتيح لمن يملك بضائع راكدة فرصة لتصريفها، وفي الوقت نفسه يساعد الأهالي على التسوق والتحضير للشهر الفضيل بأسعار أقل، في ظل الغلاء المتصاعد.
صورة السوق: غياب شبه كامل للطبقة الوسطى
في شهادات أخرى تعكس واقع السوق في حمص، نقل بعض الأهالي ملاحظاتهم بعد متابعة الوضع خلال الشهرين الماضيين.
وخلصت هذه الشهادات إلى نصيحة “تجارية” مختصرة مفادها أن أي مشروع في سوريا اليوم عليه أن يستهدف فئتين فقط: إما الفئة الغنية، أو الفئة “المستورة بلطف الله”، بحسب التعبير المتداول.
فالمطاعم، والكفتيريات، والمقاهي، والمولات الغذائية، تستهدف شريحة قادرة ماليًا ولا تتأثر كثيرًا بالظروف المعيشية الصعبة، وغالبًا ما تعتمد على دخول ثابتة من عقارات أو مصادر أخرى.
في المقابل، توجد مشاريع موجهة للفئة الأقل دخلًا، مثل بيع الأدوات المنزلية بأسعار زهيدة، أو تجارة الألبسة المستعملة، أو العروض على المواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى محال الخضار والفواكه.
أما بعض القطاعات الأخرى، كالإكساء الصحي، والكهربائيات، والدهانات، فهي ما تزال تعمل ولكن بطابع موسمي وغير مستقر. والخلاصة التي يجمع عليها كثيرون هي أن الطبقة الوسطى، التي تشكل عادة عمود الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، باتت شبه معدومة في المدينة.
الحل يبدأ بإزالة الحواجز غير المرئية
وتتعالى أصوات الأهالي للتأكيد على أن عودة الحياة الطبيعية إلى حمص لا يمكن أن تتحقق فقط عبر إعادة ترميم الطرق أو تحسين إشارات المرور، رغم أهمية ذلك، بل تتطلب قبل كل شيء إزالة الحواجز غير المرئية التي تعرقل إرادة الناس في العمل والإنتاج.
فالمواطن، بحسب البويضاني، لا يبحث عن وعود كبرى أو شعارات فضفاضة، بل عن بيئة واضحة وعادلة تمكّنه من إطلاق مشروعه الصغير بكرامة، وبثقة بأن جهده لن يضيع في متاهات الإجراءات.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، تبقى مثل هذه المطالب والاقتراحات مؤشرًا على حاجة ملحة لسياسات محلية أكثر مرونة، تستثمر في المبادرات الفردية وتعيد الاعتبار لدور المشاريع الصغيرة، باعتبارها أحد المفاتيح القليلة المتاحة اليوم لتحسين الواقع المعيشي وخلق فرص عمل حقيقية في مدينة أنهكتها الأزمات المتلاحقة.
