سُجّل منسوب مياه نهر قويق ارتفاعًا ملحوظًا خلال الأيام الماضية، نتيجة غزارة الأمطار وزيادة كميات الثلوج هذا العام، إذ ارتفع المنسوب بنحو نصف متر، في مشهد أعاد إلى الواجهة الحديث عن أحد الأنهار التاريخية المنسية في شمال سوريا، وما يمكن أن تمثّله عودة جريانه من أهمية زراعية وبيئية واقتصادية لمدينة حلب وريفها.
ويُعد نهر قويق من الأنهار الموسمية التاريخية في شمال سوريا، إذ ينبع من منطقة هضبة عينتاب جنوب تركيا، ويبلغ طوله نحو 129 كيلومترًا، يمتد منها ما يقارب 110 كيلومترات داخل الأراضي السورية، قبل أن ينتهي في السبخات الجنوبية لمدينة حلب، وتحديدًا في منطقة المطخ، المصنّفة بيئيًا كمنخفض طبيعي يؤوي أنواعًا متعددة من الطيور المهاجرة.
ويمر النهر بعشرات القرى في الريف الشمالي لحلب، من بينها دلحة، حرجلة، دوديان، احتيملات، دويبق، دابق، أرشاف، الصالحية، اسنبل، تل مالد، وصولًا إلى محيط سد الشهباء، وهي مناطق تتميز بتربتها الخصبة، ما يجعلها مؤهلة تاريخيًا للعب دور زراعي مهم، في حال استمر جريان النهر بشكل منتظم.
وتُشير تقديرات زراعية إلى أن نهر قويق قادر على ري مساحات واسعة تُقدّر بعشرات آلاف الهكتارات، إضافة إلى دوره في دعم تغذية المياه الجوفية والآبار الارتوازية في الريف الشمالي، وهو ما ينعكس إيجابًا على الأمن المائي والزراعي، خصوصًا في ظل توصيف المختصين لنسبة الثلوج هذا العام بأنها جيدة ومفيدة للموسم الزراعي.
وقال وليد اليوسف، رئيس مجلس بلدة أرشاف بريف حلب، لموقع “سوريا 24”، إن المياه الحالية في مجرى النهر ناتجة بشكل أساسي عن فيضانات الأمطار، موضحًا أن اللون الأحمر للمياه يعود إلى التربة المنجرفة مع السيول.
ولفت اليوسف إلى وجود مصبّات صرف صحي تصب في مجرى النهر على امتداد عدة كيلومترات، معتبرًا أن هذه المشكلة البيئية تشكّل تحديًا أساسيًا أمام أي مشروع لإعادة إحياء النهر.
ورغم الأهمية الجغرافية والاقتصادية لنهر قويق، إلا أن جريانه انقطع منذ عشرات السنين من الجانب التركي. وتشير مراجع متخصصة في إدارة الموارد المائية إلى أن اتفاق فرانكلين–بويون، المعروف باتفاق أنقرة لعام 1921، نصّ على مبدأ تقاسم مياه نهر قويق بين سوريا وتركيا بما يحقق إنصافًا للطرفين، مع التأكيد على التشاور في حال إنشاء منشآت مائية على مجرى النهر.
وشهد نهر قويق واحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ مدينة حلب الحديث، إذ وثّقت منظمات حقوقية دولية العثور على ما لا يقل عن 147 جثة في مجرى النهر مطلع عام 2013، في حادثة ارتبطت بعمليات إعدام ميدانية خلال فترة سيطرة النظام السابق على أجزاء من المدينة. ولا تزال هذه الجريمة حاضرة في الذاكرة السورية، دون محاسبة المسؤولين عنها حتى اليوم.
وتاريخيًا، حظي نهر قويق باهتمام الحضارات التي تعاقبت على المنطقة، وشكّل مصدرًا لمياه الشرب والري ومتنفسًا طبيعيًا لسكان حلب. وورد ذكره في مصادر قديمة بتسميات متعددة، منها ما يُترجم إلى “النهر المقدس”، كما عُرف في بعض المراجع الكلاسيكية بأسماء مثل Chalos أو Belus، في دلالة على مكانته التاريخية.
وتتعدّد الروايات حول أصل تسمية “قويق”، إذ تربط بعض التفسيرات الاسم بطبيعة النهر الموسمية المرتبطة بالأمطار، فيما تعيده روايات أخرى إلى طائر القاق الذي تتغير قوته بين الفصول، في تشبيه لحالة النهر الذي يفيض شتاءً ويجف صيفًا. كما تشير روايات إضافية إلى ارتباط التسمية بأصوات الضفادع أو بشخصيات تاريخية محلية.
ويظل نهر قويق شاهدًا على تاريخ طبيعي وإنساني طويل، وعلى ما يمكن أن تمثّله إعادة إحيائه من فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار لبيئة حلب وريفها، إذا ما توفّرت الإرادة السياسية والمعالجات البيئية والبُنى التحتية اللازمة.



