أعلن المهندس حسين الحاميش، رئيس مركز عفرين للموارد المائية، تسجيل ارتفاع واضح في منسوب مياه نهر عفرين خلال الموسم الحالي، في تطور وصفه بالمؤشر الإيجابي الذي بدأ ينعكس مباشرة على الواقع الزراعي والمعيشي للأهالي في المنطقة.
وقال الحاميش لموقع سوريا 24 إن تحسن الجريان أسهم في تعزيز توفر مياه الري، وخفف من اعتماد المزارعين على ضخ المياه من الآبار ذات التكلفة المرتفعة، كما ساعد في إنعاش بساتين تضررت خلال سنوات الجفاف الماضية. وأضاف أن وفرة المياه تعني عمليًا زيادة الإنتاج الزراعي وتحسن دخل الأسر الريفية وتنشيط الحركة الاقتصادية المرتبطة بالزراعة.
واعتبر أن عودة النهر إلى مستويات جريان جيدة أعادت الثقة لدى المزارعين بإمكانية استعادة جزء من النشاط الزراعي الذي تراجع خلال الأعوام الأخيرة.
مؤشرات إيجابية… لكن الحذر ما يزال مطلوبًا
وتوقع الحاميش استمرار الجريان بمعدلات جيدة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الظروف المناخية الحالية، موضحًا أن كفاية المياه حتى نهاية الصيف تبقى مرتبطة بدرجات الحرارة وحجم السحب المائي وإدارة الموارد خلال موسم الري.
وأشار إلى أن الموسم المطري الجيد يمنح فرصة حقيقية لتحسين الإنتاج الزراعي، لكنه لا يشكل ضمانًا دائمًا في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، ما يستدعي إدارة أكثر كفاءة للمياه.
نهر تاريخي شكّل هوية المنطقة الزراعية
وأوضح الحاميش أن نهر عفرين يُعد من الأنهار التاريخية في شمال بلاد الشام، إذ شكّل عبر آلاف السنين مصدر استقرار رئيسيًا للسكان في منطقة جبلية شبه جافة. وقد نشأت على ضفافه قرى زراعية واسعة، واشتهرت المنطقة ببساتين الزيتون التي ارتبط نموها باستقرار جريان النهر.
وأضاف أن النهر استُخدم تقليديًا للري والشرب وتربية المواشي، ما جعله عنصرًا أساسيًا في بناء الاقتصاد الزراعي المحلي عبر الأجيال.
مسار عابر للحدود وتأثيرات خارجية
وقال الحاميش إن النهر ينبع من مرتفعات جبال طوروس الجنوبية داخل الأراضي التركية، قبل دخوله شمال غرب سوريا ومروره عبر وادي عفرين وعدد كبير من القرى الزراعية، معتمدًا في تغذيته على الأمطار الشتوية وذوبان الثلوج والينابيع المحلية.
وبيّن أن النهر يعود لاحقًا إلى تركيا ليصب ضمن شبكة نهر العاصي، ما يجعله متأثرًا بعوامل خارج الحدود، أبرزها السدود وتحويل مجاري المياه وكميات الهطول المطري في منطقة الأناضول.
سنوات الجفاف… تحديات ثقيلة على الزراعة
وأشار رئيس مركز الموارد المائية إلى أن النهر شهد تراجعًا ملحوظًا خلال العقدين الأخيرين، خاصة في فترات الجفاف بين أعوام 2007 و2009، و2014–2015، إضافة إلى الفترة الممتدة بين 2018 و2021 التي اعتُبرت من أشد مراحل الشح، فضلًا عن بعض مواسم 2022 و2023.
وأوضح أن أسباب التراجع تعود إلى انخفاض معدلات الأمطار وتأثيرات التغير المناخي، إلى جانب الاستخدام المفرط للمياه الجوفية والعوامل المرتبطة بمناطق المنابع خارج سوريا.
تراجع المياه غيّر خريطة الزراعة
وأكد الحاميش أن انخفاض منسوب النهر خلال سنوات الجفاف أدى إلى تراجع إنتاج الزيتون والفاكهة وخسارة جزء من المحاصيل الصيفية، إضافة إلى جفاف بعض البساتين المعتمدة على الري السطحي وارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة الاعتماد على الآبار.
وأضاف أن المزارعين اضطروا إلى تغيير أنماط الزراعة، فانتقلوا من المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الخضار الصيفية والذرة إلى محاصيل أقل استهلاكًا كالحبوب والزراعات البعلية، مع تقليص الدورات الزراعية.
شريان اقتصادي للمنطقة
واعتبر الحاميش أن نهر عفرين يشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، إذ يدعم آلاف الهكتارات الزراعية ويوفر فرص عمل موسمية وينشط تجارة المنتجات الغذائية، إضافة إلى دوره في تشغيل معاصر الزيتون وخفض تكاليف الإنتاج.
وأوضح أن وفرة المياه تؤدي عادة إلى زيادة الإنتاج واستقرار الأسعار وتحسن دخل المزارعين، بينما يؤدي الشح إلى ارتفاع الأسعار وتراجع العرض وحدوث بطالة موسمية وخسائر مالية.
وأكد أن استقرار جريان النهر يعني بدرجة كبيرة استقرارًا اقتصاديًا واجتماعيًا، لأن المياه في المناطق الزراعية ترتبط مباشرة بالإنتاج والدخل والاستقرار المجتمعي.
إدارة المياه… شرط الاستدامة
وشدد الحاميش على ضرورة استثمار الموسم الحالي بشكل مسؤول، داعيًا إلى تنظيم دورات الري والتحول إلى أنظمة الري الحديثة مثل التنقيط والرش، وإصلاح القنوات للحد من الهدر، ومراقبة الضخ الجائر، إضافة إلى إنشاء سدات ترابية صغيرة لتخزين المياه.
كما أوصى المزارعين بالري في ساعات الصباح الباكر أو المساء، واستخدام تغطية التربة لتقليل التبخر، واختيار أصناف زراعية مقاومة للجفاف، وصيانة شبكات الري بشكل دوري لضمان أفضل استفادة ممكنة من الموارد.