احتضنت المكتبة الوطنية في دمشق، مساء الإثنين 16 شباط/فبراير، العرض الأول للفيلم الوثائقي «بروفا يوم القيامة – Doomsday Rehearsal» للمخرج والصحفي السوري زيد مستو، في الذكرى الثالثة للزلزال الذي أودى بحياة أكثر من 50 ألف شخص في شمال سوريا وجنوب تركيا، وذلك بالتعاون بين المؤسسة العامة للسينما وشركة Accuracy Productions.
يخوض مستو في هذا العمل تجربته الوثائقية الأولى، منطلقاً من فكرة بسيطة وحاسمة: الأرقام في سياق الكوارث ليست أرقاماً. يقول إن الحديث عن “50 قتيلاً” أو “20 جريحاً” يحوّل المأساة إلى إحصاء، بينما كل اسم من تلك الأسماء هو سيرة كاملة، وعالم شخصي مستقل.
الفيلم، بحسب مخرجه، يمثّل قصة واحدة من بين نحو 55 ألف قصة عاشها المتضررون بين جنوب تركيا وشمال سوريا.
ويوضح أن التجربة “أنهكته نفسياً وجسدياً ومادياً”، قبل أن تتبلور في صيغة فيلم يُعرض للمرة الأولى، في ما يشبه فعل بوح متأخر.
إحدى الرسائل المركزية التي يسعى العمل إلى ترسيخها هي ضرورة تعرّف السوريين إلى تجارب بعضهم البعض. سنوات الانقسام والحرب خلقت عوالم متباعدة، وفهماً مجتزأً لمعاناة الآخر. من هنا، يرى مستو أن إدراك كيفية عيش الآخر وظروفه يمنح فهماً أعمق، ويفتح باباً للتواصل والتعاطف خارج الاصطفافات الضيقة.
عقب العرض، أُقيم نقاش مفتوح تناول خلفيات الفيلم وسياقه، بمشاركة مدير المؤسسة العامة للسينما جهاد عبدو. وتمحور الحوار حول مستقبل السينما السورية وخياراتها في المرحلة المقبلة.
عبدُو أشار إلى خطة لإنتاج سينما سورية تخاطب وجدان الجمهور، وتعبّر عن تطلعاته، مؤكداً فتح المجال أمام مختلف السينمائيين لتقديم أعمال تعكس “جمال روح السوريين” وتضحياتهم، مع السعي لإيصال هذه الأفلام إلى منصات ومهرجانات دولية.
وفي تقييمه للمرحلة السابقة، لفت إلى أن أفلام السنوات الخمس عشرة الماضية ركزت على سرديات تعبّوية تخدم خطاب الجيش والنظام السابق، من دون أن تحقق انتشاراً فعلياً، لا محلياً ولا دولياً.
أما بشأن القيود، فأكد أنه لا توجد ضوابط مفروضة حالياً، باستثناء ما يمس المرأة أو الطفل أو يتضمن إهانة عامة. وشدد على رفضه لاختزال المرأة في أدوار ترفيهية أو مسيئة، معتبراً أن السينما المقبلة يجب أن تلتزم بمعايير فنية وأخلاقية تتيح لها المنافسة خارجياً من دون الوقوع في الابتذال.
بهذا المعنى، لا يقدّم «بروفا يوم القيامة» مجرد استعادة لذكرى الزلزال، بل محاولة لتحويل الألم الجماعي إلى سردية إنسانية محددة الملامح. إنه جهد لإعادة الوجوه إلى خلفية الأرقام، وفتح نقاش جدي حول وظيفة السينما السورية: هل تكتفي بتوثيق الألم، أم تعيد صياغته بوصفه مادة لفهم أعمق للذات الجماعية؟
