ريف دمشق: مدفع رمضان صوت يستعيد الطقوس ويبدد ذاكرة الحرب

حجم الخط

بعد أعوام ارتبط فيها صوت المدافع بالخوف وأخبار القصف، عاد “مدفع رمضان” هذا العام إلى عدد من مدن ريف دمشق، في مشهد حمل دلالات رمزية واجتماعية عميقة، أبرزها استعادة الطقوس الرمضانية القديمة بروح جديدة عنوانها الأمان والحنين.

في مدينة التل، انطلق مدفع رمضان من منطقة البانوراما وسط حضور شعبي لافت، وبتنظيم من إدارة المنطقة والمجلس البلدي، في خطوة لاقت ترحيبًا واسعًا بين الأهالي. الإعلامي فراس السوادي، ابن المدينة، وصف الأجواء بأنها طقوس رمضانية جميلة، مؤكدًا أن المدفع هذه المرة لم يكن مصدر خوف ورعب، بل “مدفع محبة وبهجة وسلام”.

وأشار السوادي إلى أن إطلاق المدفع يتم وفق ترتيبات خاصة جرى التحضير لها بالتنسيق بين الجهات المحلية، في محاولة لإعادة هذا التقليد بما يتناسب مع الواقع الحالي. وأضاف أن قرار إحياء المدفع قوبل بترحيب واسع، إذ عبّر كثير من الأهالي عن سعادتهم بعودة أجواء رمضان القديمة بعيدًا عن الخوف الذي طبع السنوات الماضية.

أبي نجمة، إعلامي ومن أبناء المدينة، رأى أن التجربة أعادت إليه ولأبناء جيله ذكريات الطفولة، حين كانوا ينتظرون صوت المدفع عند موعد الإفطار، فيما عبّر آخرون عن مشاعر متباينة، معتبرين أن صوته لا يزال يوقظ في ذاكرتهم أصوات القصف وأيام الحرب، ما يعكس تباينًا بين الحنين والتحفّظ.

المشهد تكرر في مدينة النبك، حيث عاد إطلاق مدفع رمضان بعد سنوات طويلة من الغياب من منطقة تُعرف باسم “الرابية”، وهي أعلى نقطة في المدينة، وتقع مقابل مسجد عبد الرحمن بن عوف، بما يتيح وصول الصوت إلى مختلف الأحياء بوضوح.

في مداخلة خاصة لـ“سوريا 24”، أوضح الدكتور خالد الهبشة، وهو من أبناء النبك، أن ما يُعرف محليًا بـ“الطوب” أو مدفع رمضان يُعد من العادات الرمضانية القديمة في المدينة، وكان يُمارس سنويًا بصورة طبيعية. وبيّن أن إطلاقه كان يتم من عدة مواقع، منها طريق الوادي ومناطق مرتفعة مثل السرايا العثمانية القديمة، بهدف الإعلان عن دخول وقت الإفطار في زمن لم تكن فيه مكبرات الصوت أو الوسائل الحديثة لبث الأذان.

وأشار الهبشة إلى أن هذه العادة اختفت مع اندلاع الثورة وتوقفت لسنوات، رغم تجذرها في ذاكرة المدينة. وأوضح أن الحاجة إلى إطلاق الطوب في الماضي كانت نابعة من غياب الوسائل الصوتية، ما استدعى اختيار أماكن مرتفعة ووسط المدينة لضمان وصول الصوت إلى أكبر عدد ممكن من السكان.

وبحسب الهبشة، فإن إعادة إحياء العادة اليوم تتم بإشراف إدارة منطقة النبك – يبرود، وبالتنسيق مع منسق مدينة النبك، في إطار منظم يراعي الطابع التراثي للطقس. ولفت إلى أن إطلاق المدفع كان يتولاه سابقًا عدد من أبناء المدينة، من بينهم الراحل أبو بشار النفوري، ثم ابنه ماجد النفوري، وبعده أبو فاروق القزق، قبل أن تنتقل المهمة حاليًا إلى يحيى العينية (أبو زكريا). كما ساهم أيمن حلوم في تجهيز موقع الإطلاق بالقرب من المسجد الذي يقوم بكفالته، حيث يتم الإطلاق حاليًا من منطقة الرابية، إلى جانب مسجد عبد الرحمن بن عوف.

وأكد الهبشة أن إحياء هذا الطقس لا يهدف فقط إلى الإعلان عن موعد الإفطار، بل إلى استعادة جزء من الذاكرة الرمضانية للمدينة وربط حاضرها بماضيها الاجتماعي والثقافي، بعيدًا عن أي دلالات للعنف أو الخوف.

وتعود عادة إطلاق مدفع رمضان، وفق روايات تاريخية متداولة، إلى القرن الخامس عشر الميلادي في مصر، حين أُطلق المدفع مصادفةً وقت أذان المغرب في عهد أحد سلاطين المماليك، فظن الناس أنه إعلان رسمي عن موعد الإفطار، ولاقت الفكرة استحسانًا واسعًا، لتتحول لاحقًا إلى عادة رمضانية انتقلت إلى بلاد الشام وعدد من المدن العربية.

ورغم تراجع هذه العادة في العقود الأخيرة مع تطور وسائل الإعلام، بقي مدفع رمضان حاضرًا في الذاكرة الشعبية بوصفه أحد أبرز رموز الشهر الفضيل.

اليوم، بين التل والنبك، لا تبدو عودة المدفع مجرد إحياء لطقس تراثي، بل محاولة لإعادة تعريف الصوت ذاته؛ من دويّ ارتبط طويلًا بالخوف والدمار، إلى علامة يومية على الفرح ولمّة الإفطار، ورسالة بأن الحياة قادرة، رغم كل ما مرّت به، على استعادة طقوسها وأفراحها الصغيرة.