طرطوس تستقبل رمضان بين الروحانية ووطأة الغلاء

حجم الخط

حلّ أول أيام شهر رمضان على مدينة طرطوس بطابع روحاني لافت، امتزجت فيه الأجواء الإيمانية بالعادات المتوارثة، في وقت فرضت فيه الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار إيقاعا مختلفا على تفاصيل الاستعدادات اليومية للأهالي.

طقوس راسخة رغم المتغيرات
مع ساعات الصباح الأولى، شهدت أسواق المدينة حركة نشطة لشراء مستلزمات الشهر، حيث حرص الأهالي على اقتناء المشروبات التقليدية التي ترتبط بذاكرة رمضان، مثل عرق السوس والتمر الهندي والخرنوب، إلى جانب الجلاب والعصائر المتنوعة.

كما ازدحمت المخابز بمحبي “كعكة رمضان”، حيث اصطف الصائمون في طوابير طويلة بانتظار دورهم، حتى مع اقتراب موعد الإفطار، في مشهد يتكرر كل عام ويعكس تمسكا بالعادات رغم الضغوط الاقتصادية.

الحلويات الرمضانية أيضا حاضرة، وإن بكميات أقل مقارنة بأعوام سابقة، إذ يفضّل كثيرون الاكتفاء بالأصناف الأساسية أو إعداد بعضها منزليا لتخفيف النفقات.

“تبييض الإفطار”: عادة اليوم الأول
سعيد اليوسف، أحد أبناء المدينة، قال في حديث لمنصة سوريا 24، إن رمضان هذا العام “أقبل ببساط الإيمان والتقوى وقامته الروحانية السامقة التي طالت بشذاها قلوب الناس جميعا”، مشيرا إلى ارتفاع مستوى الالتزام والوعي، لا سيما في ظل شعور واسع بالتعاطف مع المهجرين والمحتاجين.

وأضاف أن كثيرين باتوا يفكرون بـ”إفطار تكتيكي مقتصد”، في إشارة إلى ترشيد الإنفاق ومراعاة الظروف العامة.

ولفت إلى عادة متوارثة في اليوم الأول من رمضان تُعرف بـ”تبييض الإفطار”، حيث يحرص الأهالي على أن يتضمن طعامهم أصنافا يغلب عليها اللون الأبيض، كاللبن الرائب طازجا أو مطبوخا مع مكونات أخرى، باعتبارها رمزا لبداية صافية للشهر الفضيل.

مدفع رمضان: صوت ينتظره الجميع
رغم تغيرات كثيرة طرأت على نمط الحياة، لا يزال مدفع رمضان يحتفظ بمكانته في المدينة. فمع اقتراب موعد أذان المغرب، يترقب الصائمون صوته الذي يدوي في السماء، في مشهد يحمل مزيجا من الحنين والرهبة، ويشكّل علامة فارقة لبداية الإفطار، حتى في ظل انتشار وسائل الإعلام والتطبيقات الحديثة التي تحدد مواقيت الصلاة بدقة.

موائد متقشفة وأطباق تقليدية
على موائد أهالي طرطوس، حضرت الأطباق التقليدية المرتبطة بالمطبخ الساحلي والسوري عموما، مع ميل واضح نحو الخيارات الأقل كلفة.

فإلى جانب الشوربات بأنواعها، تتصدر أطباق تعتمد على الحبوب والخضروات واللبن قائمة الإفطار في اليوم الأول، فيما تراجعت اللحوم الحمراء إلى مرتبة ثانوية لدى كثير من الأسر.

ويؤكد الأهالي أن البساطة هذا العام ليست خيارا تفضيليا فحسب، بل ضرورة فرضتها الأوضاع المعيشية.

الغلاء: عبء يتجدد كل رمضان
من جهته، قال أيمن صبرة في حديث لمنصة سوريا 24، إن غلاء الأسعار في رمضان “سلوك قديم يتكرر كل عام”، موضحا أن أسعار اللحوم البقرية والأغنام شهدت ارتفاعا ملحوظا، إلى جانب زيادة أسعار الخضروات والأعشاب، ما يثقل كاهل المواطنين.

وأشار إلى أن هذه الزيادات تدفع كثيرا من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية، والاعتماد على بدائل أقل كلفة، مع الحفاظ قدر الإمكان على الطابع الرمضاني للمائدة.

ما تغيّر وما بقي؟
بين الأمس واليوم، تبدو الصورة في طرطوس مركّبة؛ فالطقوس الأساسية لا تزال حاضرة: المشروبات الشعبية، كعكة رمضان، مدفع الإفطار، وعادة “تبييض” المائدة في اليوم الأول. غير أن حجم الإنفاق، ونوعية الأطباق، وكميات المشتريات تغيّرت بوضوح.

رمضان هذا العام في طرطوس يمرّ بروح جماعية عالية، لكن بموائد أكثر تواضعا، ووعي أكبر بأهمية التكافل والتعاطف، في معادلة تحاول الموازنة بين قدسية الشهر وضغوط الواقع المعيشي.