في رمضان… مهن تتوقف وأسر تواجه الغلاء بلا دخل

حجم الخط

مع حلول شهر رمضان، تتبدل أنماط الحياة في المدن والبلدات السورية، وتتغير معها حركة الأسواق وساعات العمل. لكن خلف أجواء الشهر وطقوسه، يقف عشرات العمال وأصحاب المهن الصغيرة أمام واقع أكثر قسوة: أعمال تتوقف نهارا، وأجور يومية تتبخر، وأسر تجد نفسها أمام مصاريف مضاعفة بلا مصدر دخل ثابت، في ظل غلاء معيشي يثقل كاهل الجميع.

يقول محمود، وهو عامل في محل شاورما بريف دمشق، إن عمله يتوقف كليا خلال الأيام العشرة الأولى من رمضان. “لا أحد يشتري الشاورما في النهار، وصاحب المحل يفضل الإغلاق بدل دفع أجور وكهرباء بلا مردود”، يوضح محمود، الذي يتقاضى أجرا يوميا. ومع توقف العمل، يتوقف دخله بالكامل، ما يضعه أمام معادلة صعبة: مصاريف طعام إضافية، ومواد تموينية ارتفعت أسعارها، والتزامات لا يمكن تأجيلها.

ويضيف: “نحاول أن ندبر أمورنا بالدين من الدكان أو بمساعدة الأقارب، لكن الأمر يتكرر كل عام، ولا يوجد بديل واضح”.

على الطرف الآخر من السوق، يحاول أبو أحمد، وهو بائع فلافل، التكيف مع خصوصية الشهر. يقر بأن مبيعات الفلافل والفول تتراجع نهارا إلى حدها الأدنى، لكنه لا يوقف عمله بالكامل. يقول: “حوّلت جزءا من البسطة إلى بيع المعروك ومشروبات رمضان مثل التمر الهندي والسوس”، مشيرا إلى أن الربح ليس مضمونا، لكنه أفضل من البقاء بلا عمل.

ويتابع: “رمضان يحتاج إلى مصاريف أكثر، خاصة مع وجود أطفال. إن لم أعمل، فمن أين آتي بثمن الإفطار؟”. ومع ذلك، يلفت إلى أن التحول إلى مهنة موسمية يحمل مخاطره، فتكلفة شراء المواد الأولية قد لا تعوض إن كانت المبيعات ضعيفة أو المنافسة مرتفعة.

أما سامر، وهو شاب كان يعمل في بيع السندويشات الخفيفة نهارا قرب إحدى المدارس، فيؤكد أن عمله يتوقف كليا طوال الشهر. “مدخولي يعتمد على الطلاب والموظفين في النهار، وفي رمضان لا حركة تذكر، وحاولت هذا العام البحث عن عمل مسائي مؤقت في أحد المطاعم، لكنه لم ينجح بسبب الاكتفاء بالعمالة. أبقى بلا عمل شهرا كاملا تقريبا، وأعيش على ما ادخرته سابقا، وإن لم يكف أضطر إلى الاستدانة”.

لا تقتصر آثار رمضان على هذه المهن فقط، فمهن الوجبات السريعة النهارية، وباعة العصائر المتجولين، وبعض سائقي وسائل النقل الذين يعتمدون على حركة النهار، جميعهم يتأثرون بانخفاض النشاط اليومي، مقابل ضغط محدود في ساعات ما قبل الإفطار لا يعوض الخسارة كاملة.

في المقابل، تزدهر مهن أخرى موسمية، مثل بيع القطايف والحلويات الرمضانية وتحضير العصائر التقليدية، ما يدفع بعض العمال إلى الهجرة المؤقتة نحو أعمال تتناسب مع طبيعة الشهر. إلا أن هذا التحول لا يتاح للجميع، ويتطلب رأسمالا بسيطا وخبرة، فضلا عن قدرة على تحمل الخسارة إن لم تنجح التجربة.

اقتصاديا، تتزامن هذه التحولات مع ارتفاع ملحوظ في حجم الإنفاق الأسري خلال رمضان، سواء على المواد الغذائية أو مستلزمات الضيافة، ما يجعل توقف الدخل، إن كان مؤقتا، عبئا مضاعفا على الأسر التي تعتمد على الأجر اليومي. ومع غياب شبكات أمان اجتماعي حقيقية أو برامج دعم مخصصة للعمالة غير المنتظمة، يبقى هؤلاء في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق.

بين من ينجح في تغيير مهنته مؤقتا، ومن يبقى خارج سوق العمل حتى انتهاء الشهر، تتكرر الحكاية كل عام. رمضان الذي يحمل للكثيرين روحانية وتكافلا، يكشف في الوقت ذاته هشاشة أوضاع فئات واسعة من أصحاب المهن الصغيرة، الذين يقفون بين مطرقة توقف العمل وسندان الغلاء، في انتظار أن تنقضي أيام الشهر ليعودوا إلى أرزاقهم المعتادة.