أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السوري يواصل مسار التعافي التدريجي، مسجلا تحسنا ملموسا في النشاط الاقتصادي خلال الأشهر الأخيرة، وذلك في أعقاب زيارة بعثة من خبراء الصندوق إلى دمشق وتقييمهم للأوضاع المالية والنقدية الراهنة. وأشار البيان الصادر في ختام الزيارة إلى أن التحسن يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، واستمرار عودة أعداد من اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، فضلا عن تحسن الظروف المناخية التي انعكست إيجابا على بعض القطاعات الإنتاجية.
وأوضح الصندوق أن البيانات الأولية تشير إلى أن الموازنة العامة للحكومة السورية لعام 2025 أغلقت بفائض طفيف، في تطور لافت مقارنة بالسنوات السابقة التي شهدت ضغوطا مالية كبيرة. ولفت إلى أن هذا الفائض تحقق نتيجة تحسن نسبي في الإيرادات، إلى جانب ضبط الإنفاق العام وتوجيهه نحو أولويات أساسية، شملت دعم الخدمات الحيوية وتحسين مستويات معيشة المواطنين ورفع الأجور. كما أشار إلى أن السلطات تجنبت اللجوء إلى التمويل النقدي المباشر لتغطية العجز، وهو ما اعتبره الصندوق خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار المالي والحد من الضغوط التضخمية.
وفيما يتعلق بموازنة عام 2026، بيّن التقرير أن الحكومة السورية أعدت مشروعا طموحا يتضمن زيادة كبيرة في الإنفاق العام، مع تركيز خاص على قطاعات الصحة والتعليم وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك شبكات الكهرباء والمياه والخدمات العامة. كما يتضمن المشروع خططا إضافية لتحسين الرواتب والأجور، في إطار مساع لدعم القوة الشرائية وتعزيز الطلب المحلي. وأكد الصندوق أهمية تنفيذ هذه الخطط ضمن إطار مالي منضبط يوازن بين تحفيز النمو والحفاظ على الاستدامة المالية.
على الصعيد النقدي، أشاد الصندوق بتمكن مصرف سورية المركزي من الحفاظ على موقف نقدي صارم رغم التحديات والقيود المتعددة، وهو ما ساهم في تباطؤ وتيرة التضخم مقارنة بالفترات السابقة، وتحقيق قدر من الاستقرار النسبي في سوق الصرف. واعتبر أن استمرار الانضباط النقدي يمثل ركيزة أساسية لدعم التعافي الاقتصادي وترسيخ الثقة في السياسات الاقتصادية.
كما أعلن الصندوق الاتفاق مع الحكومة السورية على برنامج واسع النطاق للمساعدة الفنية خلال المرحلة المقبلة، يهدف إلى تعزيز قدرات المؤسسات الاقتصادية، وتطوير إدارة المالية العامة والدين العام، وتحسين السياسات الضريبية، وتحديث القطاع المصرفي، إضافة إلى تحسين جودة البيانات والإحصاءات الاقتصادية. وينظر إلى هذا البرنامج على أنه خطوة تمهيدية نحو تعميق التعاون الفني وتعزيز الحوكمة الاقتصادية.
ويرى مراقبون أن هذه المؤشرات تعكس بداية مرحلة جديدة من التعافي التدريجي، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بإعادة الإعمار، وخلق فرص العمل، وتحسين بيئة الاستثمار، وتعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد. ومع ذلك، فإن استمرار الإصلاحات وتوسيع التعاون الدولي قد يسهمان في ترسيخ مسار الاستقرار ودعم النمو خلال السنوات المقبلة، بما ينعكس إيجابا على الأوضاع المعيشية للمواطنين.