الحرب على إيران تضغط على الاقتصاد السوري: صدمة طاقة وسلاسل إمداد تحت الاختبار

حجم الخط

لم تستغرق تداعيات الحرب على إيران سوى أيام قليلة لتصل إلى الأسواق الإقليمية، حيث تحوّل التصعيد العسكري الذي اندلع في نهاية شباط 2026 إلى صدمة اقتصادية امتدت آثارها عبر أسعار النفط، وحركة الشحن البحري، ومسارات الطيران المدني.

ومع ارتفاع المخاطر الأمنية في الخليج والشرق الأوسط، بدأت الاقتصادات الهشة — وفي مقدمتها سوريا — تواجه ضغوطًا متسارعة على الطاقة وسلاسل الإمداد وسعر الصرف، في مشهد يعكس مدى ارتباط الاستقرار الاقتصادي في المنطقة بتوازناتها الجيوسياسية.

أدت الضربات الأمريكية الإسرائيلية داخل إيران وما تبعها من ردود عسكرية إلى رفع علاوة المخاطر في أسواق الطاقة والنقل العالمية، مع تحذيرات من اضطراب الإمدادات وتعطل مسارات التجارة الجوية والبحرية.

ضربات واسعة ورد إيراني يحمل رسائل اقتصادية

بدأ التصعيد بسلسلة ضربات جوية واسعة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت لوجستية داخل إيران، شملت بنى مرتبطة بالبرنامج الصاروخي للحرس الثوري ومراكز قيادة عسكرية حساسة.

وأشارت التقارير إلى أن الهجمات ركزت على تقليص القدرات العسكرية الإيرانية ومنع توسع العمليات الإقليمية، مع تسجيل خسائر بشرية وأضرار واسعة في منشآت استراتيجية.

وخلال الساعات اللاحقة، أدت الضربات الجوية الأمريكية إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادة الصف الأول العسكري خلال العمليات، في تطور يمثل أخطر ضربة تتعرض لها بنية القيادة الإيرانية منذ عقود.

وردّت إيران بإطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية، في رد وصفته بأنه محسوب عسكريًا لكنه كاف لإظهار القدرة على الرد، كما شمل القصف الإيراني بالمسيرات والصواريخ معظم العواصم العربية الخليجية، متذرعة بوجود قواعد عسكرية أمريكية فيها.

إلا أن الرسالة الأبرز جاءت عبر تهديدات إيرانية باستهداف المصالح الأمريكية وتعطيل الملاحة في الخليج، وهو ما دفع الأسواق العالمية إلى توقع تأثيرات اقتصادية تتجاوز أطراف النزاع المباشرين، مع ارتفاع فوري في أسعار الطاقة وتكاليف النقل البحري.

تهديد مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن

وبحسب تقارير إعلامية فإن أخطر تداعيات الأزمة تتمثل في تهديد إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وأن مجرد التهديد أدى إلى ارتفاع فوري في أقساط التأمين البحري وقفز تكاليف الشحن، حتى دون إغلاق فعلي للمضيق.
هذا الارتفاع دفع شركات الطاقة والملاحة إلى إعادة تقييم مسارات النقل وتأجيل بعض الشحنات، بينما بدأت الأسواق تسعير احتمال اضطراب الإمدادات، ما انعكس مباشرة على أسعار النفط والعملات في الدول المستوردة للطاقة.

اضطراب النقل الجوي وإغلاق مسارات الطيران

إلى جانب النقل البحري، تأثر قطاع الطيران المدني بشكل مباشر، فقد أفادت تقارير إعلامية بأن شركات طيران دولية أعادت توجيه رحلاتها بعيدًا عن أجواء إيران والعراق وأجزاء من الخليج لأسباب أمنية، بينما علّقت بعض الرحلات مؤقتًا.
وأدى ذلك إلى:

زيادة زمن الرحلات بين أوروبا وآسيا

ارتفاع تكاليف الوقود والتشغيل لشركات الطيران

تقليص عدد الرحلات العابرة للمنطقة

وبالنسبة لسوريا والمنطقة، يعني ذلك ارتفاع تكاليف الشحن الجوي وتباطؤ حركة البضائع والركاب، ما يضيف ضغطًا إضافيًا على التجارة والخدمات اللوجستية في وقت تعاني فيه سلاسل الإمداد أصلًا من اضطرابات بحرية.

اقتصاد سوري هش أمام صدمة النفط

في هذا السياق، تبدو سوريا من أكثر الاقتصادات عرضة للتأثر، فمع ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب، أصبحت كلفة الاستيراد مرشحة للارتفاع السريع.
وقال الخبير الاقتصادي زياد عربش لموقع سوريا 24 إن سوريا تستورد بين 110 و120 ألف برميل يوميًا، ما يجعل أي اضطراب في الأسعار أو النقل عامل ضغط مباشر على سوق الوقود وسعر الصرف.
ويرى عربش أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى نقص تدريجي في المشتقات النفطية ورفع أسعارها بنسبة تتراوح بين 15 و25 في المئة، وهو ما بدأ ينعكس عبر ارتفاع طفيف في سعر الدولار في السوق الموازية مع زيادة المخاوف من ارتفاع فاتورة الاستيراد.

سلاسل الإمداد تحت ضغط مزدوج

مع ارتفاع تكاليف الشحن البحري وتعطل بعض المسارات الجوية، بدأت آثار الأزمة تظهر في سلاسل الإمداد الإقليمية. فقد نقلت Reuters Markets أن شركات الشحن رفعت رسوم التأمين وغيّرت مساراتها لتقليل المخاطر، ما أدى إلى زيادة تكلفة نقل الطاقة والمواد الأولية.
وفي الحالة السورية، ينعكس ذلك على توفر الوقود والمواد الصناعية والغذائية، حيث تواجه القطاعات الإنتاجية ارتفاعًا متزايدًا في التكاليف التشغيلية وتأخرًا في وصول بعض الإمدادات.

الصناعة والزراعة أول المتأثرين

تشير تقارير بحثية إلى أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة تكون الأكثر تأثرًا خلال صدمات النفط، وهو ما ينطبق على صناعات الإسمنت والصناعات الغذائية والقطاع الزراعي المعتمد على النقل والوقود.
ومع ارتفاع التكاليف، تميل الشركات إلى رفع الأسعار أو خفض الإنتاج، ما يؤدي إلى انتقال الضغوط تدريجيًا نحو الأسواق الاستهلاكية وارتفاع مستويات التضخم.

التجارة الخارجية بين التراجع وإعادة التوجيه

كما بدأت آثار التصعيد تظهر في التجارة الإقليمية، إذ أشارت تقارير اقتصادية دولية مطلع الشهر الجاري إلى أن ارتفاع مخاطر النقل عبر الخليج قد يؤدي إلى تراجع مؤقت في الصادرات المتجهة نحو الأسواق البعيدة.

وفي المقابل، قد تتجه بعض الصادرات نحو أسواق أقرب جغرافيًا مثل تركيا وأوروبا، وهو نمط يتكرر خلال الأزمات البحرية عندما تصبح المسافة عامل استقرار اقتصادي.

خطر عودة أزمة الطاقة داخليًا

مع استمرار التوتر، يزداد خطر تعطل إمدادات الغاز الإقليمية، ما قد يعيد أزمة الكهرباء في سوريا إلى الواجهة، ويرى عربش أن أي خلل في تدفق الطاقة سيؤدي إلى تراجع ساعات التغذية الكهربائية وارتفاع أسعار الغاز المنزلي، ما يضيف ضغطًا جديدًا على الأسر السورية في ظل ضعف القدرة الشرائية.

اقتصاد مرتبط بمسار الصراع

تكشف تداعيات الحرب على إيران أن الاقتصاد السوري ما يزال شديد الارتباط بتحولات الصراع الإقليمي، حيث تنتقل آثار الضربات العسكرية بسرعة عبر أسعار النفط والنقل البحري والجوي وسعر الصرف.

ويختصر زياد عربش هذه المعادلة بالقول إن ما تواجهه سوريا اليوم هو صدمة خارجية بامتياز، إذ إن قدرة الاقتصاد على امتصاصها تبقى محدودة طالما ظل يعتمد على الاستيراد ويتأثر بتقلبات الطاقة العالمية.

وبين تصعيد مفتوح أو احتواء سياسي محتمل، يبقى مسار الحرب العامل الحاسم في تحديد مستوى الاستقرار الاقتصادي والمعيشي خلال المرحلة المقبلة.