توتر عند معبر نصيب بعد قرار يسمح بعبور الشاحنات بين سوريا والأردن دون مناقلة

حجم الخط

شهد محيط معبر نصيب الحدودي مع الأردن، في ريف درعا الجنوبي، حالة من التوتر والاحتقان بعد احتجاج عدد من سائقي الشاحنات السوريين على قرار جديد ينظم حركة النقل البري بين البلدين، ويقضي بالسماح بعبور الشاحنات مباشرة من دون تطبيق نظام المناقلة الذي كان معمولا به على الحدود منذ سنوات.

وتطورت الاحتجاجات إلى إيقاف بعض الشاحنات الأردنية ومنعها من الدخول إلى الأراضي السورية، وسط تقارير عن تعرض عدد منها للرشق بالحجارة، في خطوة قال السائقون إنها تعبير عن رفضهم للقرار الذي يرون أنه يهدد مصدر رزقهم ويقوض قطاع النقل المحلي الذي يعتمد جزءا كبيرا منه على عمليات نقل البضائع بين الشاحنات عند المعابر.

ويقضي القرار بالسماح بدخول الشاحنات الأردنية المحملة ببضائع ذات منشأ أردني إلى الأراضي السورية، كما يسمح في المقابل للشاحنات السورية التي تنقل بضائع ذات منشأ سوري بالدخول إلى الأردن، مع إلغاء نظام المناقلة (Back-to-Back) الذي كان يفرض تفريغ الحمولة عند الحدود ونقلها إلى شاحنات من الطرف الآخر. وترى الجهات المعنية أن هذا الإجراء قد يسهم في تقليص تكاليف النقل والشحن وتسريع حركة البضائع بين البلدين، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع في الأسواق ويخفف الأعباء عن المستهلكين.

جذور نظام المناقلة بعد إعادة فتح المعبر

يرتبط الجدل الحالي حول آلية نقل البضائع عبر معبر نصيب بسلسلة من التحولات التي شهدها المعبر خلال السنوات الماضية. فقد سيطرت فصائل من المعارضة السورية على المعبر في نيسان/أبريل 2015، ما أدى إلى توقف حركة التجارة البرية بين سوريا والأردن لعدة سنوات. وفي تموز/يوليو 2018 استعادت القوات الحكومية السورية السيطرة على المنطقة الحدودية، قبل أن يعاد فتح المعبر رسميا أمام حركة المسافرين والبضائع في 15 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه بعد تفاهمات بين دمشق وعمان.

وقبل إغلاقه عام 2015، كان معبر نصيب يعد أحد أهم الممرات البرية للتجارة بين سوريا والأردن ودول الخليج، إذ كانت تمر عبره مئات الشاحنات يوميا في طريقها نحو الأسواق الخليجية. ومع إعادة تشغيله بعد سنوات من الإغلاق، اعتمدت السلطات السورية نظام المناقلة (Back-to-Back)، الذي يقوم على تفريغ البضائع عند الحدود وإعادة تحميلها في شاحنات من الطرف الآخر، وهي آلية هدفت إلى تنظيم الحركة لكنها زادت كلفة النقل وأطالت زمن الشحن.

احتجاجات وإضراب في قطاع النقل

في الأيام الأخيرة، أعلن عدد من العاملين في قطاع الشحن والنقل داخل سوريا إضرابا مفتوحا، مع إيقاف الشاحنات المبردة والجافة عن العمل احتجاجا على القرار، مؤكدين أن تحركهم يهدف إلى الدفاع عن مصدر رزقهم.

ويطالب السائقون المحتجون بتطبيق القرار رقم 31 الذي ينص على اعتماد مبدأ تبادل البضائع على المعابر الحدودية وعدم السماح بدخول الشاحنات الأجنبية، وفق قاعدة المعاملة بالمثل. ويقول بعضهم إن المشكلة لا تكمن في التعاون التجاري مع الأردن، بل في الآثار التي قد تترتب على تغيير آلية النقل المعتمدة منذ سنوات.

شهادات من السائقين

في محيط المعبر، يعبر عدد من السائقين عن مخاوفهم من أن يؤدي القرار إلى فقدان آلاف العاملين في قطاع النقل لمصدر دخلهم.

يقول السائق أبو محمد إن القرار الجديد يهدد مصدر رزق مئات السائقين الذين يعتمدون منذ سنوات على نظام المناقلة في معبر نصيب، مضيفا:
“نحن نطالب بحقوقنا ونريد أن نعمل في بلدنا. هناك نظام تكافل بين السائقين، فكل خمس إلى عشرين سيارة تعمل ضمن مجموعة واحدة. هذا العمل هو مصدر رزقنا ورزق أولادنا”.

بدوره، يرى السائق أبو عمر أن نظام المناقلة كان يوفر فرص عمل مستقرة للسائقين السوريين على الحدود، مشيرا إلى أن تغيير الآلية الحالية سيؤثر عليهم بشكل مباشر، قائلا:
“نحن نطالب بالإبقاء على نظام المناقلة كما هو. لدينا شاحنات كبيرة والعمل على الحدود قائم منذ سنوات، ولا يمكن إلغاؤه فجأة”.

أما السائق خالد فيلفت إلى طول فترات الانتظار التي تعيشها الشاحنات السورية على الحدود، موضحا أن الشاحنة قد تبقى أياما طويلة قبل أن يأتي دورها في التحميل، مضيفا:
“الشاحنة قد تبقى نحو خمسة عشر يوما في المعبر الأردني حتى يأتي دورها في التحميل. أنا شخصيا أنتظر منذ خمسة أيام ضمن نظام المناقلة”.

ويحذر السائق أبو عمار من تداعيات القرار على آلاف السائقين الذين يعتمدون على العمل في هذا القطاع، قائلا:
“هناك آلاف السيارات التي تنتظر دورها، والقرار الجديد ألغى نظام التبادل. نحن الآن بلا عمل تقريبا، ولذلك أوقف السائقون بعض الشاحنات القادمة من الأردن احتجاجا على القرار”.

الجانب الأردني: الاعتداءات نتيجة تغيير آلية النقل

في المقابل، قال نقيب أصحاب شركات التخليص ونقل البضائع في الأردن ضيف الله أبو عاقولة إن تعرض شاحنات أردنية للاعتداء قرب معبر نصيب جاء نتيجة القرار الأخير الذي يسمح للشاحنات الأردنية بالعبور إلى الأراضي السورية.

وأوضح أبو عاقولة أن القرار أثار غضب بعض أصحاب الشاحنات السورية الذين كانوا يحققون أرباحا من عمليات المناقلة التقليدية المعروفة باسم “الباك تو باك”، مضيفا أن الاتفاق الجديد يسمح للشاحنات الأردنية بالوصول إلى الموانئ السورية للتحميل والتفريغ، مقابل السماح للشاحنات السورية بالدخول إلى ميناء العقبة للقيام بالعمليات نفسها.

وأشار إلى أن الشاحنات الأردنية التي عبرت المعبر يوم الجمعة تعرضت لأضرار محدودة قبل أن تتدخل قوات الأمن السورية لاحتواء الموقف، مطالبا بمرافقة أمنية لقوافل الشحن لضمان سلامتها.

وأكد أبو عاقولة أن الظروف الحالية في قطاع الشحن العالمي، خصوصا في الشرق الأوسط، تجعل من الضروري تسهيل إجراءات العبور البري بين الدول لتعزيز التكامل الاقتصادي، مشيرا إلى أن قطاع النقل تأثر بشكل كبير نتيجة التوترات الإقليمية، وارتفعت أجور الشحن البحري إلى نحو أربعة أضعاف في بعض الحالات.

دمشق وعمان تبحثان تعزيز التكامل اللوجستي

ويأتي القرار في سياق مساع أوسع لتعزيز التعاون الاقتصادي بين دمشق وعمان وتطوير منظومة النقل والخدمات اللوجستية في المنطقة.

فقد عقدت في دمشق، على هامش زيارة وفد حكومي أردني رفيع المستوى، جلسة ثنائية جمعت رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي مع وزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني يعرب القضاة، حيث بحث الجانبان سبل تعزيز حركة التبادل التجاري وتسهيل دخول البضائع بين البلدين.

كما جرى الاتفاق على تسهيل عبور الشاحنات السورية إلى ميناء العقبة لإجراء عمليات التحميل والتفريغ، مقابل تسهيل عبور الشاحنات الأردنية إلى الموانئ السورية للقيام بالعمليات نفسها، بما يعزز التكامل في قطاع النقل والخدمات اللوجستية ويفتح آفاقا أوسع أمام حركة التجارة الإقليمية.

كما شدد الطرفان على أهمية الاستفادة من الموقع الجغرافي لكل من سوريا والأردن والعمل على تطوير آليات التعاون بما يسهم في تحويل البلدين إلى مراكز إقليمية لتجميع البضائع وإعادة تصديرها إلى أسواق الخليج وأوروبا.

غير أن هذه الترتيبات الجديدة، التي تهدف إلى تسهيل التجارة وتسريع حركة الإمداد، اصطدمت في الميدان باعتراضات واسعة من سائقي الشاحنات السوريين، الذين يرون أن نجاح أي إصلاح في قطاع النقل يجب أن يراعي أيضا أوضاع العاملين فيه ويضمن عدم خسارة آلاف الأسر لمصدر دخلها الوحيد.