سد النبك في القلمون… تاريخ مائي قديم بين الحاجة والإهمال

حجم الخط

في قلب منطقة القلمون الغربي، حيث تنحدر السيول الموسمية من سلاسل الجبال باتجاه السهول الداخلية، يقف سد النبك شاهدا على محاولة مبكرة لتنظيم المياه في واحدة من أكثر المناطق جفافا في سوريا. هذا السد، الذي أنشئ قبل أكثر من نصف قرن، لا يزال حتى اليوم جزءا من المشهد الطبيعي والجدل المحلي حول إدارته ووظيفته.

تنطلق السيول في المنطقة من جبال القلمون الغربية، المتاخمة للحدود اللبنانية، وتسلك مجرى طبيعيا تشكل عبر مئات السنين، يعرف محليا بـ”مجرى السيل”. هذا المجرى يمر بعدة مناطق، ليصل إلى مدينة النبك ويخترقها لمسافة تقارب ستة كيلومترات، قبل أن يتابع طريقه باتجاه الأراضي الزراعية الواقعة على الحدود الإدارية بين النبك ودير عطية.

في هذه النقطة تحديدا، أقيم السد المعروف حاليا باسم “سد دير عطية” أو “سد النبك”، والذي كان يعرف سابقا باسم “سد مجر القلمون” وفق تسمية وزارة الأشغال العامة. ويعد السد من النوع التجميعي، أي أنه صمم لتجميع مياه السيول الموسمية، وليس للاستخدام المباشر كمياه شرب أو للري.

وبحسب معلومات تاريخية محلية، طرح المشروع للتنفيذ عام 1967 من قبل مديرية أشغال حمص، ونفذ في العام التالي 1968، على يد المتعهدين أحمد باكير ومحمد العوم. وقد شاركت ورشات محلية في أعمال البناء، حيث نفذت الأعمال الترابية باستخدام معدات هندسية حكومية، فيما تولى عمال من دير عطية ومناطق مجاورة رصف الحجارة ونقلها من الجبال المحيطة.

يقع جسم السد فوق القناة الرومانية القديمة في دير عطية، على خط الفصل الإداري بين المدينتين، بينما تمتد بحيرته ضمن أراضي النبك. ويعتمد تصميمه على بنية ترابية مدعمة بالحجارة، مع وجود مفيض في الجهة الغربية لتصريف المياه الزائدة بشكل طبيعي عند ارتفاع منسوبها.

الهدف الأساسي من إنشاء السد كان تغذية المياه الجوفية، عبر تجميع السيول والسماح لها بالتسرب إلى باطن الأرض، ما يدعم الآبار في منطقتي النبك ودير عطية. إلا أن هذا الدور الحيوي تراجع مع مرور الوقت، نتيجة الإهمال وتراكم المخلفات ضمن مجرى السيل.

ويشير الدكتور خالد الهبشة، أحد أهالي مدينة النبك، إلى أن مجرى السيل تعرض خلال السنوات الماضية لتعديات مختلفة، من بينها رمي الأنقاض ومخلفات البناء، إضافة إلى النفايات المنزلية القادمة من المناطق المجاورة، لا سيما مزارع السقي. هذه التراكمات تعيق جريان المياه الطبيعي، وتؤثر على كفاءة السد في تجميع السيول.

وأضاف أن نظام التصريف الطارئ في السد، والذي يعتمد على فتحات داخلية لتسريع تدفق المياه عند حدوث سيول جارفة، يتطلب صيانة دورية لضمان عمله، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تزيد من احتمالية الهطولات الغزيرة المفاجئة.

في المقابل، يوضح متابعون للشأن المحلي أن بعض الروايات المتداولة حول إدارة السد أو التلاعب بمياهه تفتقر إلى الدقة، مؤكدين ضرورة العودة إلى المصادر الرسمية والتاريخية عند تناول هذا الملف، خاصة أن السد أنشئ قبل عقود من التحولات السياسية التي شهدتها البلاد لاحقا.

اليوم، وبين الحاجة المتزايدة لإدارة الموارد المائية في سوريا، يعود سد النبك إلى الواجهة كأحد المشاريع التي يمكن إعادة تأهيلها واستثمارها، في حال جرى التعامل مع التحديات البيئية المحيطة به، وتنظيم مجرى السيل بما يضمن استعادة دوره الأساسي في تغذية المياه الجوفية.

في ظل شح المياه وتراجع الهطولات في المنطقة، تبدو إعادة الاعتبار لهذا السد ضرورة ملحة، ليس فقط كمنشأة قديمة، بل كجزء من منظومة مائية يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن المائي المحلي، إذا ما أحسن استثمارها وإدارتها.