برلين ودمشق… تقارب محسوب يفتح ملفات السياسة والاقتصاد واللاجئين

حجم الخط

تكتسب زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الألمانية برلين بعداً استراتيجياً، من خلالها رُسمت معالم المرحلة المقبلة من الشراكة والتعاون بين البلدين، عبر الانخراط التدريجي والتعامل الواقعي مع ملفات معقدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، ويتقدم فيها ملف اللاجئين كأحد أبرز محددات هذا المسار.

وقد عكست التصريحات الرسمية والمواقف المطروحة خلال الزيارة ملامح توجه جديد في العلاقة بين الجانبين، لا سيما فيما يتعلق بإعادة الإعمار، والتعاون الاقتصادي، وإدارة ملف اللاجئين، إضافة إلى القضايا الأمنية والإقليمية.

البعد الاقتصادي… من التصريحات إلى خطوات عملية
لم يقتصر الحضور الاقتصادي على التصريحات الرسمية، بل تُرجم إلى لقاءات مباشرة وخطوات تنفيذية من خلال الاجتماع الذي عقده الرئيس الشرع على طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية، بحضور وزراء الخارجية والمغتربين، والاقتصاد، والطاقة، والطوارئ وإدارة الكوارث، في خطوة عكست توجهاً عملياً نحو تفعيل التعاون الاقتصادي.

وبحسب ما أعلنته رئاسة الجمهورية، قدمت الشركات الألمانية عروضاً في قطاعات متعددة، شملت الطاقة، والتمويل، والأمن، والتحول الرقمي، إضافة إلى البناء، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجستية.

كما شهد الاجتماع توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجانب السوري وعدد من الشركات المشاركة. وفي هذا السياق، قال وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار خلال منتدى الأعمال السوري–الألماني: “نقوم اليوم بإعادة التواصل مع العالم بما يخدم مصالح شعوبنا ويعزز علاقاتنا مع الدول الأخرى”.

من جهته، كشف وزير الطاقة محمد البشير أن الوزارة تتجه لتوقيع مذكرتي تفاهم مع شركة Siemens للتعاون في بناء نظام قيادة وتشغيل للشبكة الكهربائية السورية، إضافة إلى مذكرة مع شركة Knauf في مجالات مواد البناء، إلى جانب التعاون في قطاعي المياه والطاقة.
وخلال اللقاء، أكد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أن بلاده “تقف إلى جانب سوريا”، مشدداً على أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح إلا بدعم دولي، ومشيراً إلى أن ألمانيا ترى لنفسها دوراً محورياً في دعم التنمية الاقتصادية، معتبراً أن فرص التبادل الاقتصادي بين البلدين على المدى المتوسط والطويل كبيرة للغاية.

من جانبها، أكدت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه وجود إمكانات واسعة للتعاون مع سوريا، مشيرة إلى اهتمام الشركات الألمانية بقطاعات الطاقة والبناء والصناعات الهندسية، إضافة إلى تجهيز البنية التحتية وحلول تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات.

من القطيعة إلى الشراكة
تشير المعطيات إلى أن العلاقة بين دمشق وبرلين لم تعد محصورة في الإطار الدبلوماسي التقليدي، بل بدأت تأخذ طابعاً أكثر عمقاً.

وفي هذا السياق، يوضح الباحث محمد نور الدغيم أن برلين أصبحت اليوم شريكاً مباشراً لدمشق، ولم تعد العلاقة محصورة في الإطار الدبلوماسي، بل انتقلت إلى مستوى البحث المشترك في القضايا الإقليمية، لا سيما الأمنية، حيث يجلس الطرفان لبحث استقرار سوريا والتنسيق في العمليات ضد بقايا تنظيم داعش.

كما يشير إلى أن دمشق لم تعد تُقارب فقط من زاوية ملف اللاجئين أو مكافحة الاتجار بالبشر، بل باتت شريكاً في ملفات أساسية ضمن أجندة السياسة الأوروبية.

من جانبه، يرى الدكتور صادق موصلي أن هذا الانخراط الألماني لا يقتصر على الاقتصاد، بل يشكّل مقدمة لتعاون أعمق قد يصل إلى مستوى الاعتراف العملي بالسلطة القائمة في سوريا، بوصفها واقعاً سياسياً لا يمكن تجاوزه.

ملف اللاجئين ومقارباته
يُعد ملف اللاجئين السوريين أحد أبرز العوامل المؤثرة في السياسة الألمانية، نظراً لارتباطه المباشر بالوضع الداخلي. وفي هذا الإطار، أكد الرئيس الشرع أن الحرب في سوريا انتهت، وأن البلاد دخلت مرحلة إعادة البناء رغم حجم الدمار الكبير، مشيراً إلى أن العمل جارٍ على تهيئة بيئة اقتصادية وقانونية مناسبة للاستثمار، بما يساهم في خلق ظروف ملائمة لعودة اللاجئين.

من جهته، أوضح المستشار الألماني أن هذا الملف كان محوراً أساسياً في النقاشات، مشيراً إلى ضرورة التعاون فيما يتعلق بعودة الأشخاص الذين لا يحملون إقامات قانونية، إضافة إلى فئة محدودة من المجرمين، مع التعبير عن أمل بعودة نسبة كبيرة من اللاجئين مستقبلاً، في مقابل استمرار من هم مندمجون في المجتمع الألماني في حياتهم هناك.

ويرى الدكتور صادق موصلي أن هذا الملف يفرض على برلين الحفاظ على قنوات تواصل مع دمشق، نظراً لأن أي عمليات عودة أو ترحيل تبقى مرتبطة بالتنسيق مع الدولة السورية.

إعادة الإعمار.. فرصة نحو الشراكة المستدامة

يشكّل ملف إعادة الإعمار محوراً رئيسياً في هذا التقارب، حيث تتجه العلاقة نحو شراكات اقتصادية مستدامة. وفي هذا السياق، تقرر تشكيل فرقة عمل مشتركة، على أن يُوفد وفد رسمي إلى سوريا خلال المرحلة المقبلة، بمشاركة وزارتَي الداخلية والتنمية، إلى جانب ديوان المستشارية، في خطوة تهدف إلى تنسيق الجهود وتحويل التعاون إلى مسار عملي.
ويرى محمد نور الدغيم أن العلاقة تتجه نحو شراكة أوسع تشمل إعادة الإعمار، بعد تحقيق تقدم في ملفات أساسية، وفي مقدمتها الاستقرار، مشيراً إلى أن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تقوم على الهبات والمنح، بل على الشراكة الاقتصادية والتعاون التنموي.
من جهته، يشير رجل الأعمال أنس علاوي إلى أن من أبرز الآليات التنفيذية الممكنة إنشاء مجلس أعمال سوري–ألماني، يضم رجال وسيدات الأعمال من الطرفين، ويعمل وفق قواعد حوكمة واضحة، رغم التحديات المرتبطة بالبنية التشريعية داخل سوريا، التي لا تزال بحاجة إلى إصلاحات وتسريع في التحديث القانوني.

الجالية السورية… جسر بين البلدين
تحضر الجالية السورية في ألمانيا كعنصر محوري في هذه العلاقة، ليس فقط من زاوية ملف اللجوء، بل أيضاً باعتبارها رصيداً بشرياً مهماً، وهو ما اعتبره الرئيس الشرع كنزاً مهماً لكلا البلدين.

وفي هذا الإطار، يؤكد د. موصلي أن العلاقة بين دمشق وبرلين لا يمكن فصلها عن ملف الجالية السورية في ألمانيا، الذي بات يشكّل أحد أبرز محددات السياسة الألمانية، إذ تحتضن ألمانيا أعداداً كبيرة من السوريين، ما يجعل من تنظيم أوضاعهم القانونية والاجتماعية أولوية داخلية، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بشكل مباشر بطبيعة العلاقة مع الدولة السورية، خصوصاً فيما يتعلق بملف العودة أو الترحيل، الذي يبقى مشروطاً بالتنسيق مع دمشق.

ويؤكد موصلي أن ما يجب الانتباه إليه هو الدور المتنامي للجالية السورية، التي يمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية حقيقية، من خلال مساهمتها في نقل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا إلى الداخل السوري، عبر الأطر المهنية والمؤسساتية التي يعمل ضمنها السوريون في ألمانيا.

ويضيف أن هذه المقاربة تعكس سعياً ألمانياً لتحقيق توازن دقيق بين المصالح الاستراتيجية والاعتبارات السياسية، حيث تحاول برلين بناء علاقة تدريجية مع دمشق تتيح لها معالجة ملفات الهجرة، والانخراط في إعادة الإعمار، والاستفادة من الدور الحيوي للجاليات، دون التخلي الكامل عن شروطها المرتبطة بالاستقرار والحوكمة.