لندن تستقبل الشرع: بداية مسار جديد في العلاقات السورية–الغربية

حجم الخط

في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار العلاقات السورية–البريطانية، بدأ الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الثلاثاء، إجراء أول زيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن، في تطور يعكس تحوّلًا لافتًا في المقاربة السياسية بين البلدين بعد سنوات طويلة من القطيعة الدبلوماسية.

وتأتي هذه الزيارة في سياق استئناف العلاقات بين دمشق ولندن خلال الصيف الماضي، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي.

تحول في المسار الدبلوماسي

تشير المعطيات إلى أن زيارة الشرع تمثل بداية إعادة تموضع سوريا على الساحة الدولية، لا سيما في علاقاتها مع الدول الغربية.

وشهدت الزيارة لقاءً رسميًا بين الرئيس السوري ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مقر الحكومة البريطانية، حيث ستركز المباحثات على سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وبحث ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.

كما سيتناول اللقاء المرتقب في داونينغ ستريت بشكل رئيسي إعادة تفعيل القنوات السياسية بين البلدين، إضافة إلى بحث آليات تطوير التعاون في مجالات التنمية والاستثمار، في ظل التغيرات الإقليمية المتسارعة.

أبعاد اقتصادية بارزة

لا تقتصر أهمية الزيارة على بعدها السياسي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي الذي يحظى باهتمام متزايد من الجانبين.

إذ تتوقع أوساط اقتصادية أن تعلن الحكومة البريطانية عن خطة لدعم صادرات الشركات البريطانية الراغبة بدخول السوق السورية، في خطوة قد تشكل بداية انفتاح اقتصادي تدريجي بعد تخفيف بعض القيود والعقوبات.

ويُنظر إلى السوق السورية، في ظل مرحلة إعادة الإعمار، كفرصة واعدة للشركات الأجنبية، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات. وفي هذا السياق، أبدت شركات بريطانية اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في سوريا، مستفيدة من التسهيلات الجديدة والتوجه نحو إعادة تنشيط الاقتصاد.

إعادة بناء الثقة والانخراط الدولي

من جانبه، أكد أنس علاء الدين، عضو مجلس إدارة المجلس السوري البريطاني، في حديث لمنصة سوريا 24، أن زيارة الرئيس الشرع تمثل “فصلًا جديدًا في العلاقات بين البلدين”، مشيرًا إلى أن الجالية السورية في بريطانيا لعبت دورًا مهمًا خلال السنوات الماضية في بناء مؤسسات المجتمع المدني، وتحمل اليوم رؤية للمساهمة في إعادة بناء سوريا.

وأضاف أن الزيارة تشكل فرصة لإشراك الكفاءات السورية في الخارج ضمن جهود إعادة الإعمار، إلى جانب طرح ملفات حساسة مثل العدالة الانتقالية، والاستفادة من الأموال المجمدة في دعم مشاريع التنمية وجبر الضرر، فضلًا عن تعزيز الفرص الاستثمارية وافتتاح السفارة السورية بشكل رسمي في لندن.

كسر العزلة واستعادة الحضور

بدوره، اعتبر عبد العزيز الماشي، عضو مجلس الإدارة في المجلس السوري البريطاني، في حديث لمنصة سوريا 24، أن زيارة الشرع تأتي في سياق سعي دمشق لإعادة فتح قنوات التواصل مع الغرب، في ظل التحولات الدولية والإقليمية.

وأوضح أن هذه الخطوة تعكس محاولة لكسر العزلة التي استمرت لسنوات، وإعادة تموضع سوريا كلاعب فاعل في المشهد الدولي.

وأشار الماشي إلى أن الزيارة قد تمثل نقطة انطلاق لتشجيع الاستثمارات الأجنبية في سوريا، بما يدعم جهود إعادة الإعمار، ويفتح المجال أمام شراكات اقتصادية جديدة.

كما لفت إلى أن التقارب مع لندن قد يمتد إلى عواصم أوروبية أخرى، ما يعزز فرص اندماج سوريا مجددًا في النظام الدولي.

ملفات أمنية وإقليمية على الطاولة

إلى جانب الجوانب الاقتصادية والدبلوماسية، يُتوقع أن تتناول المباحثات بين الجانبين ملفات أمنية ذات أهمية مشتركة، من بينها مكافحة الإرهاب والتصدي لشبكات تهريب المخدرات، وهي قضايا تحظى باهتمام دولي متزايد.

وتسعى الحكومة السورية إلى تقديم نفسها كشريك موثوق في مواجهة هذه التحديات، بما يعزز من موقعها التفاوضي ويدعم جهودها لاستعادة علاقاتها الدولية.

آفاق إعادة التمثيل الدبلوماسي

من أبرز النتائج المحتملة لهذه الزيارة، إعادة فتح السفارتين السورية والبريطانية في كل من دمشق ولندن، بعد سنوات من الإغلاق. وتشير التوقعات إلى إمكانية تعيين قائمين بالأعمال كخطوة أولى نحو استعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل.

وستشكل هذه الخطوة في حال تحققها مؤشرًا واضحًا على جدية الطرفين في إعادة بناء العلاقات، وفتح قنوات تواصل مباشرة تسهم في معالجة الملفات العالقة.

مرحلة جديدة من التعاون

في المحصلة، تعكس زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى لندن تحولات أعمق في المشهد السياسي والاقتصادي، ليس فقط على مستوى العلاقات الثنائية، بل أيضًا في موقع سوريا ضمن التوازنات الإقليمية والدولية.

وبين الرغبة البريطانية في استكشاف فرص اقتصادية جديدة، وسعي دمشق لكسر العزلة واستقطاب الاستثمارات، تبدو هذه الزيارة بمثابة اختبار حقيقي لمدى قدرة الطرفين على ترجمة الانفتاح السياسي إلى شراكات ملموسة.

ومع ترقب نتائج اللقاءات المرتقبة، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح بالفعل صفحة جديدة في العلاقات السورية–البريطانية، أم أنها ستظل في إطار إعادة جس النبض السياسي، بانتظار تطورات أوسع في المشهد الدولي.