ملف المعتقلين في سوريا… جرح مفتوح يتجاوز قدرة المبادرات ويختبر جدية العدالة

حجم الخط

لا يدرك فداحة الرعب ولا عمق الندوب النفسية التي تخلّفها المعتقلات، إلا من عاشها. بهذه الكلمات يختصر بسام أبو بكر، وهو معتقل سابق من أهالي جوبر في دمشق، جانباً من معاناة آلاف الناجين، الذين خرجوا من السجون حاملين معهم ذاكرة مثقلة بالألم، وجروحاً لا تزال مفتوحة.

قصة الشاب محمد علي، المعتقل السابق في سجن صيدنايا، الذي لم يحتمل أعباءه النفسية بعد خروجه، ففارق الحياة، ليست حالة فردية، بل تمثل نموذجاً مأساوياً يتكرر بصمت، في ظل غياب استجابة حقيقية لحجم الكارثة. فملف المعتقلين، منذ لحظة التحرير وحتى اليوم، لا يزال يتأرجح بين المبادرات المحدودة وغياب المعالجة الشاملة، رغم كونه أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة في المشهد السوري.

هذا الملف يتوزع على ثلاث فئات رئيسية: الناجون الذين خرجوا قبل “التحرير”، والمحررون خلاله، إضافة إلى آلاف المفقودين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً. وبين هذه الفئات، تتراكم معاناة مركّبة، لا يمكن التعامل معها بوصفها حالات فردية، بل كقضية وطنية شاملة، تتطلب إدارة على مستوى الدولة، لا مبادرات جزئية أو جهوداً متفرقة، وفق أبو بكر.

ورغم محاولات بعض الجمعيات والمنظمات الإنسانية الاقتراب من هذا الملف، إلا أن حجم التحدي يتجاوز قدراتها، ما يفرض ضرورة التعامل معه ضمن سياسات عامة واضحة، يقودها مختصون يمتلكون أدوات التأثير داخل مؤسسات الدولة، ويعالجونه عبر مسارات متوازية.

في مقدمة هذه المسارات، تبرز الحاجة إلى متابعة أوضاع الناجين صحياً ونفسياً واجتماعياً. فهؤلاء لم يغادروا المعتقلات كما دخلوها، بل خرجوا مثقلين بآثار التعذيب والانتهاكات، ما يجعل حقهم في العلاج وإعادة التأهيل وإعادة الاندماج المجتمعي ضرورة ملحّة، لا خياراً ثانوياً. كما أن تمكين القادرين منهم من العودة إلى الحياة العامة، يمثل خطوة أساسية لاستعادة دورهم كأفراد فاعلين في المجتمع.

إلى جانب ذلك، تبرز أهمية توثيق شهادات الناجين توثيقاً قانونياً ومهنياً، بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية، وضمانة لعدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً، فضلاً عن كونها أدلة أساسية في أي مسار قضائي محتمل.

المسار الثاني يتمثل في ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم، باعتبار أن أي حديث عن العدالة أو السلام يبقى ناقصاً دون تحقيق المساءلة. فمحاسبة كل من تورط في هذه الجرائم، بشكل مباشر أو غير مباشر، تمثل حجر الأساس لإعادة الثقة بالقانون، وترسيخ مفهوم العدالة الانتقالية.

أما المسار الثالث، فيتعلق بعائلات المعتقلين والمفقودين، التي لا تزال تعيش على وقع الانتظار والقلق، دون معرفة مصير أبنائها. هذه العائلات، التي تحملت أعباء نفسية واجتماعية واقتصادية قاسية، تحتاج إلى دعم متكامل، وإلى جهود حقيقية لكشف مصير المفقودين، باعتبار أن معرفة الحقيقة تمثل الحد الأدنى من حقوقها.

في هذا السياق، يؤكد المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في حديثه لـ”سوريا 24”، أن معاناة الناجين وأسرهم لا يمكن التعامل معها كقضية عابرة، بل هي مسألة تمس جوهر العدالة والكرامة الإنسانية. ويوضح أن التزامات الرعاية الصحية، خاصة النفسية، وإعادة التأهيل والاندماج، هي حقوق مكفولة وفق المعايير الدولية، ولا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تنص على حق الضحايا في جبر الضرر والتعافي الكامل.

ويضيف الكيلاني أن هذه الحقوق لا تقتصر على الناجين، بل تشمل أيضاً ذويهم، الذين عانوا من الفقد والانتظار، وما يزال كثير منهم يواجه آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، ما يستدعي إشراكهم في أي مسار للعدالة، وعدم تهميشهم.

ويشدد على أن إطلاق مسار فعلي للعدالة الانتقالية بات ضرورة ملحّة، لا ترفاً سياسياً، موضحاً أن هذا المسار لا يقتصر على المحاسبة، بل يشمل كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وإعادة الاعتبار للضحايا. كما أن إشراك المتضررين في هذا المسار يعزز فرص نجاحه، ويساهم في استعادة الثقة المجتمعية.

في المقابل، يحذر الكيلاني من أن التأخر في تبني سياسات جدية للدعم والرعاية، وغياب خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، يمثل تقصيراً واضحاً تتحمله الجهات المعنية، وعلى رأسها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي يفترض أن تقود هذا الملف وتحوله من إطار الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ملف المعتقلين بوصفه مجرد قضية إنسانية مؤجلة، بل هو اختبار حقيقي لجدية أي مرحلة انتقالية في سوريا. فإما أن يُدار هذا الملف على أساس الاعتراف والمعالجة والعدالة، أو يبقى جرحاً مفتوحاً، يواصل النزف في ذاكرة السوريين.

لم يخرج هؤلاء من السجون وحدهم، بل خرجت معهم حكايات تختزن من الألم ما يكفي لزلزلة الضمير الإنساني.

وبين ذاكرة التعذيب وواقع الإهمال، يقف الناجون اليوم على هامش الاهتمام، في وقت يفترض أن يكونوا في صلب أولويات المرحلة. إن ترك هذا الملف دون معالجة جادة، لا يعني فقط استمرار معاناة الضحايا، بل يهدد بإعادة إنتاج الألم ذاته في المستقبل.