تتجدد مناشدات الأهالي والنشطاء الإعلاميين في بلدة العتيبة بالغوطة الشرقية، شرقي دمشق، لإعادة تسليط الضوء على بحيرة العتيبة، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مساحة جافة، بعد أن كانت واحدة من أبرز المعالم البيئية ومصادر الرزق في المنطقة. ويطالب السكان بالسماح مجددًا بوصول مياه نهر بردى إلى البحيرة، في خطوة يرونها ضرورية لإحيائها واستعادة دورها الحيوي.
ويؤكد الأهالي أن قضية البحيرة لم تعد مجرد شأن بيئي، بل ترتبط بشكل مباشر بحياة السكان واستقرارهم، خاصة في ظل الحاجة المتزايدة للمياه بعد عودة أعداد كبيرة من الأهالي إلى البلدة عقب سنوات من النزوح. ويشيرون إلى أن إعادة تغذية البحيرة من شأنها دعم المياه الجوفية، التي تشهد تراجعًا حادًا في المنطقة مقارنة بمناطق أخرى من الغوطة.
وفي حديث لأحد سكان البلدة، أوضح أن “بحيرة العتيبة كانت متنفسًا طبيعيًا للأهالي، يقصدونها للنزهات وتغيير الأجواء، كما شكّلت مصدر رزق لعشرات العائلات من خلال صيد الأسماك والطيور، إضافة إلى الاستفادة من نبات القصب الذي كان يُباع في الأسواق”. ويضيف أن الفلاحين كانوا يعتمدون عليها في الزراعة، قبل أن تتحول اليوم إلى أرض قاحلة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
ويشدّد السكان على أن إعادة إحياء البحيرة ستنعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي، إذ ستسهم في تغذية الحوض المائي للمنطقة، الذي يعاني من انخفاض كبير في منسوب المياه، حيث تصل أعماق استخراج المياه في العتيبة إلى نحو 150 مترًا، مقارنة بنحو 20 مترًا في مناطق أخرى من الغوطة الشرقية.
إرث طبيعي مهدد بالاندثار
تُعد بحيرة العتيبة من أقدم التشكيلات الطبيعية في ريف دمشق، إذ تشير الدراسات إلى أنها بقايا بحيرة ضخمة كانت تغطي، قبل نحو 500 ألف عام، مساحات واسعة من دمشق وريفها. ومع التحولات المناخية التي شهدتها المنطقة، تراجعت مياهها تدريجيًا، لتفسح المجال لظهور الأراضي الخصبة التي شكّلت لاحقًا غوطة دمشق.
وفي صورتها الحديثة، لم تتجاوز مساحة البحيرة نحو 6 كيلومترات مربعة، وقد شهدت تقلبات مستمرة بين الجفاف والامتلاء، إلى أن جفّت بشكل شبه كامل في منتصف القرن الماضي، قبل أن تتحول إلى سبخة موسمية تعتمد على الأمطار. ورغم ذلك، ظلت لعقود ملاذًا صيفيًا لأهالي دمشق، بفضل طبيعتها وتنوعها البيئي.
وقد وصفها المستشرق الإيرلندي “بورتر” في منتصف القرن التاسع عشر بأنها “مساحة واسعة من المياه الصافية وسط مستنقع”، في إشارة إلى غناها الطبيعي وتنوعها البيئي في ذلك الوقت.
تنوع بيئي ومورد اقتصادي
رغم التغيرات التي طرأت عليها، شكّلت بحيرة العتيبة نظامًا بيئيًا مهمًا، إذ كانت موطنًا لعدد من النباتات والحيوانات، لا سيما الطيور المائية، مستفيدة من موقعها ضمن الأحواض المغلقة لنهر بردى. وأسهم هذا التنوع في دعم أنشطة اقتصادية محلية، اعتمدت على الصيد والزراعة واستخراج النباتات.
كما اشتهرت المنطقة بصناعة “البواري” من القصب، والتي كانت تستخدم في تسقيف المنازل وتُصدّر إلى القرى المجاورة، إلى جانب الاستفادة من نباتات أخرى مثل البوط والسعد، ما جعل البحيرة عنصرًا أساسيًا في دورة الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
دعوات لإعادة الإحياء
اليوم، ومع تفاقم الجفاف والتصحر، يرى الأهالي أن إعادة إحياء بحيرة العتيبة لم تعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة بيئية وخدمية. ويطالبون الجهات المعنية والمنظمات المعنية بالشأن البيئي بالتحرك العاجل لإعادة تغذيتها بالمياه، وإطلاق مشاريع مستدامة لإدارة الموارد الطبيعية والحفاظ على ما تبقى من التنوع الحيوي.
كما يؤكد ناشطون أن إنقاذ البحيرة يمكن أن يشكّل خطوة أولى نحو استعادة التوازن البيئي في المنطقة، وتحسين الظروف المعيشية للسكان، في وقت تواجه فيه الغوطة الشرقية تحديات متزايدة على صعيد المياه والخدمات الأساسية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى بحيرة العتيبة شاهدًا على تحولات بيئية عميقة، وأملًا معلقًا بجهود قد تعيد الحياة إلى واحدة من أبرز معالم الغوطة الشرقية.
إن جفاف بحيرة العتيبة لا يعكس فقط أزمة بيئية عابرة، بل يكشف عن خلل عميق في إدارة الموارد المائية، ويهدد مستقبل الاستقرار المعيشي في المنطقة. وبينما تتصاعد مناشدات الأهالي، يبقى إحياء البحيرة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجهات المعنية على الاستجابة، وإعادة الحياة إلى نظام بيئي كان يومًا شريانًا حيويًا للغوطة الشرقية.