الحكومة وقسد: تبادل المعتقلين مستمر ..وآلاف المغيبين خارج الحسابات

حجم الخط

يعود ملف المعتقلين بين الحكومة السورية وقسد إلى واجهة النقاش مجدداً، مع إعلان معاون مدير الأمن مدير الداخلي في الحسكة، محمود خليل الملقب بـ (سيامند عفرين)، عن استكمال عملية تبادل جديدة للمعتقلين بين “قسد” والحكومة السورية والتي ربّما تكون الأخيرة، والتي تتضمن الإفراج عن 400 معتقلاً من السجون الحكومية، دون وجود إعلان رسمي من السلطات السورية حول الأعداد التي ستفرج عنهم “قسد”.

ويأتي هذا الملف في سياق معقّد تشكّل منذ عام 2017، مع توسّع سيطرة قسد في مناطق الجزيرة السورية، حيث نُفذت حملات اعتقال واسعة طالت فئات متعددة من السكان، شملت مدنيين وناشطين وأشخاصاً وُجهت إليهم اتهامات عامة، في ظل غياب معايير واضحة للفصل بين الحالات أو مسارات قانونية شفافة.

وفي هذا السياق، يشكك الصحفي الصحفي والناشط المدني عمر خطاب بالآليات المتبعة في ملف تبادل المعتقلين بين الطرفين، مشيراً إلى أنّ معظم الاعتقالات التي نفذتها قسد “لم تقتصر على فئة محددة، بل شملت شرائح واسعة من المجتمع”، مشيراً إلى أن “تهمة الانتماء لتنظيم داعش استُخدمت بشكل واسع، حتى في حالات لا تتوفر فيها أدلة واضحة”.

ويضيف أن نشاط خلايا التنظيم استمر في بعض المناطق خلال سنوات سيطرة “قسد”، مترافقاً مع تسجيل مئات حالات القتل المجهول، ما يطرح، بحسب رأيه، تساؤلات حول فعالية الإجراءات الأمنية المتبعة آنذاك.

كما يشير خطاب إلى أن شبكة السجون التابعة لقسد تضم عدداً من مراكز الاحتجاز في الحسكة والقامشلي ودير الزور ومناطق أخرى، حيث يُحتجز آلاف المعتقلين، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة حول أعدادهم أو أوضاعهم القانونية.

ويتحدث أيضاً عن وجود مئات الحالات من المفقودين، يُقدّر عددهم بنحو 1500 شخص من منطقته بريف دير الزور، لا تتوفر معلومات واضحة عن مصيرهم، سواء داخل السجون أو خارجها، ما يزيد من حالة القلق والغموض لدى الأهالي.

وفي ما يتعلق بعمليات التبادل الأخيرة، يرى خطاب أن ما يجري هو “تبادل جزئي”، موضحاً أن “بعض الصفقات تشمل معتقلين تم توقيفهم حديثاً، خاصة خلال عام 2025، مقابل عناصر محتجزين لدى الحكومة، في حين تبقى ملفات المعتقلين القدامى خارج هذه العمليات”.

كما يشير إلى أن بعض المعتقلين نُقلوا إلى خارج البلاد، لاسيما إلى العراق، دون توفر معلومات دقيقة حول أوضاعهم القانونية أو مصيرهم، في ظل غياب الشفافية.

ويضيف أن استمرار هذا الملف دون معالجة شاملة ساهم في تصاعد التوتر المحلي، مشيراً إلى رصد تزايد في الخطاب المتشدد، إلى جانب خروج احتجاجات في عدة مناطق، تطالب بالكشف عن مصير المعتقلين والمفقودين.

من جهته، يصف الكاتب الصحفي والباحث سامر الأحمد الملف بأنه “إشكالي وشائك للطرفين”، لافتاً إلى أن “الأرقام التي يتم الإعلان عنها في عمليات التبادل لا تعكس الحجم الحقيقي للملف، إذ إن الدفعات تقتصر على مئات، بينما عدد المعتقلين الفعلي أكبر بكثير”.

ويشير الأحمد إلى أن ما يجري حالياً هو “تبادل أمر واقع”، موضحاً أن “الحكومة تمضي في هذه العمليات وفق تفاهمات ميدانية، دون أن يعكس ذلك بالضرورة مطالب الرأي العام المحلي”.

كما يلفت إلى أن “بعض عمليات التبادل تشمل مدنيين تم اعتقالهم حديثاً، خاصة خلال عام 2025، مقابل عناصر محتجزين لدى قسد”، معتبراً أن هذا الأمر يثير استياء عائلات المعتقلين القدامى الذين لم تشملهم هذه الصفقات.

ويتحدث الأحمد أيضاً عن حالات نقل معتقلين إلى خارج البلاد، مشيراً إلى أن “بعضهم صُنّف ضمن ملفات لا تعكس طبيعة وضعه الحقيقي”، بما في ذلك حالات لموقوفين بتهم كيدية، ما يطرح تساؤلات حول دقة التصنيفات والإجراءات.

كما يشير إلى استمرار وجود مراكز احتجاز في مناطق مختلفة، بعضها لا يزال يضم معتقلين لم تشملهم عمليات التبادل، في ظل معلومات غير مؤكدة عن إدراج بعضهم ضمن مفاوضات غير معلنة.

ويحذّر الأحمد من أن استمرار هذا النهج “قد يؤدي إلى تعقيد الملف أكثر”، خاصة مع تزايد حالة الاحتقان في المنطقة، داعياً إلى معالجة شاملة تقوم على الشفافية، والكشف عن مصير جميع المعتقلين، وإعادة النظر في ملفاتهم بشكل قانوني واضح.

تشير تقارير إعلامية وحقوقية إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تدير شبكة واسعة من مراكز الاحتجاز في مناطق شمال شرق سوريا، موزعة بشكل رئيسي في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، وتضم عدداً من السجون الرئيسية، مثل سجن غويران (الصناعة) في الحسكة، إلى جانب سجون الطبقة والرقة والقامشلي والشدادي وعلايا، وهذه الاحصائية قبل سيطرة الجيش السوري على عدد من مناطق “قسد” وسجونها.

وبحسب معطيات ميدانية متقاطعة، لا يوجد إحصاء رسمي معلن لعدد هذه المراكز، إلا أن تقديرات غير رسمية تشير إلى أنها تتراوح بين نحو 40 و50 مركز احتجاز، تشمل سجوناً مركزية وأخرى فرعية ومؤقتة، فضلاً عن مرافق غير معلنة، ما يعقّد عملية حصرها بدقة.

وفي ما يتعلق بأعداد المعتقلين، تُقدّر مصادر ميدانية أن عددهم يتراوح بين نحو 9 آلاف و11 ألف معتقل داخل هذه السجون، مع تركّز العدد الأكبر في عدد محدود من المراكز الكبرى، أبرزها سجن غويران الذي يُعد من أكبر مراكز الاحتجاز في المنطقة.

ولا تقتصر هذه الشبكة على السجون المركزية، بل تشمل أيضاً مرافق احتجاز تُستخدم للتحقيق أو التوقيف المؤقت، إلى جانب مواقع غير معلنة، ما يجعل العدد الفعلي للمراكز والمحتجزين أعلى من الأرقام المتداولة.

في المقابل، تشير تقارير صادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى استمرار عمليات الاعتقال خلال السنوات الأخيرة، حيث تم توثيق مئات الحالات سنوياً، بينها حالات احتجاز تعسفي طالت مدنيين، في سياق حملات أمنية متواصلة في مناطق سيطرة قسد.
وتؤكد هذه المعطيات أن تقدير أعداد المعتقلين ومراكز الاحتجاز يبقى جزئياً، في ظل تعدد المواقع، وعمليات النقل المستمرة بين السجون، إضافة إلى غياب الشفافية في نشر القوائم أو الأرقام الرسمية، ما يجعل هذا الملف أحد أكثر الملفات غموضاً وتعقيداً في المشهد السوري الراهن.

فيما تقول مصادر حكومية إنّ معظم معتقلي “قسد” في سجونها، هم من المقاتلين وجرى اعتقالهم أثناء المعارك بين الجانين، وخاصة في الشيخ مقصود والجزيرة السورية.

الاتفاق وتعيين مبعوث رئاسي
أعلنت الحكومة السورية في 29 كانون الثاني التوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، تضمن وقف إطلاق النار، والتفاهم على آلية لدمج القوات العسكرية والإدارية تدريجياً، إضافة إلى دخول قوات الأمن إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر في المنطقة.

وفي 21 شباط، أعلنت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية تكليف العميد زياد العايش مبعوثاً رئاسياً لمتابعة تنفيذ الاتفاق، والعمل على ملف الاندماج بين الجانبين، بما يشمل التنسيق مع الجهات المعنية في مناطق شمال شرق سوريا.

كما أشارت المعلومات الرسمية إلى إعداد قوائم بأسماء المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية، وتسليمها إلى مديرية أمن الحسكة، في إطار متابعة هذا الملف ضمن بنود الاتفاق.

أسئلة بلا إجابات في ملف المعتقلين والاندماج
في المحصلة، ما يزال اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقسد يحيط به قدر من الغموض، أو على الأقل يسير بوتيرة بطيئة، ما يجعل الملفات المرتبطة به، ومنها ملف المعتقلين، غير خاضعة لآليات واضحة من الشفافية والرقابة.

ويطرح ذلك جملة من التساؤلات حول آليات تنفيذ عمليات الإفراج، والجهات المشرفة عليها، ودور المؤسسات القضائية في هذا السياق، لا سيما أن السجون تُعدّ من اختصاص الدولة وأجهزتها القضائية على كامل الجغرافيا السورية.

كما يبرز تساؤل إضافي حول طبيعة هذه العمليات، إذ تُعلن بصيغة “تبادل أسرى” بين جهتين، في وقت يُفترض فيه أن يكون مسار الاندماج قائماً بينهما، وهو ما يفتح نقاشاً حول مدى تحقق هذا الاندماج فعلياً على الأرض.

ومن جهة أخرى، تظل مسألة المسؤولية عن بقاء آلاف السوريين دون معرفة مصيرهم في مراكز الاحتجاز قائمة، في ظل غياب بيانات رسمية شاملة، وعدم وضوح الجهات المخوّلة بالكشف عن مصيرهم أو البتّ في أوضاعهم القانونية.

وتبقى هذه الأسئلة مطروحة في ظل تكليف العميد زياد العايش بمتابعة ملف الاندماج، بوصفه الجهة المعنية بتنفيذ التفاهمات والإشراف على مساراتها المختلفة، وهو مطالب بتفسير ما يحصل للسوريين.

ما القضية التي يجب أن تكون أولوية للحكومة السورية حالياً؟

  • ضبط الأسعار (100%، 1 الأصوات‏)
  • تحسين الشبكة الكهربائية (0%، 0 الأصوات‏)
  • توفير فرص العمل (0%، 0 الأصوات‏)

مجموع المصوتين: 1

Loading ...