تمر المواقع الأثرية في مدينة الرقة بواقع مقلق في ظل تصاعد أعمال التعدي والنبش العشوائي، وسط ضعف ملحوظ في إجراءات الحماية والرقابة، ما يهدد بفقدان جزء مهم من الإرث الحضاري والتاريخي للمنطقة.
ولا تعد هذه الانتهاكات طارئة، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، في ظل ظروف معقدة مرت بها المدينة، أبرزها غياب مؤسسات الدولة لفترات طويلة، وما رافقه من فراغ أمني وإداري انعكس بشكل مباشر على حماية المواقع الأثرية، وفتح الباب أمام استغلالها بطرق غير قانونية.
قالت المهندسة ريماز العجيلي، مديرة آثار الرقة، لـ”سوريا 24”: “التجاوزات والتعديات على المواقع الأثرية ليست جديدة، بل تعود لسنوات عديدة، نتيجة غياب الدولة السورية وضعف الحماية والرقابة خلال تلك الفترات.”
وأوضحت العجيلي أن أبرز هذه التعديات تتمثل في الحفر العشوائي والتنقيب غير المشروع، إلى جانب سرقة القطع الأثرية، مضيفة في حديثها لـ”سوريا 24”:
“من أبرز الانتهاكات التي نشهدها عمليات الحفر والتنقيب السري، إضافة إلى سرقة اللقى الأثرية، وهذا كله مرتبط بشكل مباشر بضعف إجراءات الحماية.”
وفي سياق الجهود المبذولة للحد من هذه الظاهرة، أكدت العجيلي أن مديرية الآثار تعمل على تعزيز التنسيق مع الجهات المعنية، مشيرة إلى خطوات عملية يجري العمل عليها، وقالت:
“نعمل حاليا على تعزيز دور الحراس، وقد خاطبنا ونسقنا مع السيد المحافظ وقيادة الأمن الداخلي لتقديم الدعم والمؤازرة لموظفينا، بهدف الحد من هذه التعديات.”
وشددت على أن حماية الآثار لا تقتصر على الجهات الرسمية فقط، بل تتطلب دورا فاعلا من المجتمع المحلي، مضيفة:
“الآثار هي إرث حضاري وتاريخي ليس للمؤسسات فقط، بل لسوريا ولأهالي الرقة، وإذا استمرت التعديات بهذا الشكل، سنفقد جزءا مهما من تاريخنا.”
من جانبهم، عبّر عدد من أهالي المدينة عن قلقهم واستيائهم من استمرار هذه الظاهرة، في ظل غياب الردع الكافي. وقال أحد الأهالي، في حديث لـ”سوريا 24”:
“نشاهد بشكل شبه يومي عمليات حفر داخل مواقع أثرية، دون أي محاسبة، وكأن الأمر أصبح طبيعيا، رغم أن هذه المواقع تمثل تاريخنا وهويتنا.”
بدوره، أشار حذيفة إبراهيم، أحد سكان الأحياء القريبة من مواقع أثرية، إلى أن ضعف الحراسة يشجع على التعدي، قائلا لـ”سوريا 24”:
“الإهمال واضح، ولا توجد حماية كافية، وهذا ما يدفع البعض لاستغلال الوضع والتنقيب بحثا عن اللقى الأثرية، ما يؤدي إلى تدمير هذه المواقع بشكل كبير.”
ولا تقتصر تداعيات هذه التعديات على فقدان القطع الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تدمير البنية التاريخية للمواقع، ما يعني خسارة معالم لا يمكن تعويضها مستقبلا، إضافة إلى تأثير ذلك على فرص تنشيط القطاع السياحي، الذي يعد من الموارد الاقتصادية المهمة التي يمكن أن تسهم في دعم المدينة وإعادة إحيائها.
وفي هذا السياق، أوضحت مديرية الآثار أنها شكلت لجانا مختصة لرصد المخالفات وتقييم حجم الأضرار، مع العمل على إعداد خطط ومشاريع تهدف إلى حماية وصيانة المواقع الأثرية خلال المرحلة المقبلة. إلا أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطا بمدى تكامل العمل بين الجهات الرسمية ووعي المجتمع المحلي بأهمية الحفاظ على هذا الإرث.
وفي ظل هذا الواقع، تقف آثار الرقة اليوم أمام مفترق طرق حاسم، بين أن تصان كذاكرة حية تختزن تاريخ المدينة وحضارتها، أو أن تترك عرضة للإهمال والتعديات، ما يهدد بزوال جزء لا يقدر بثمن من هويتها الثقافية.