أوقفت السلطات التركية علاج عشرات مرضى السرطان السوريين خلال الأيام العشرة الماضية، عقب قرار مفاجئ بوقف التغطية الصحية الخاصة بهم، ما وضع المرضى أمام خيارات قاسية في ظل عدم قدرتهم على تحمل تكاليف العلاج الباهظة، وعدم وجود بديل متاح داخل سوريا.
يقول طارق علي عجم (55 عاما)، المصاب بسرطان الدم (المايلوما)، إنه وصل إلى تركيا بعد أن لم يعد هناك علاج لحالته في سوريا، وذلك بناء على توصية أطباء من جامعة سورية، مضيفا أنه بدأ رحلة العلاج منذ أكثر من عام ونصف.
وأوضح أنه كان يتنقل وفق إقامة سياحية تجدد كل 90 يوما، ويتابع علاجه بشكل منتظم، إلا أنه خلال عودته الأخيرة واجه مشكلة على المعبر أدت إلى منعه من الدخول، ما اضطره للبقاء خارج تركيا لمدة شهرين وستة أيام، وهو ما تسبب بتأخر كبير في علاجه وتفاقم حالته الصحية.
وأضاف أنه بعد عودته خضع لفحوصات كاملة، وأعد له تقرير طبي، وجرى رفع استشارة إلى أطباء مختصين، حيث تقرر استئناف العلاج بعد الحصول على موافقة الجهات الصحية، إلا أنه فوجئ قبل أيام قليلة من بدء الجرعات بقرار إيقاف التأمين الصحي للسوريين.
وقال: “أبلغونا أنه لم يعد هناك تأمين صحي، وأصبح علينا دفع جميع التكاليف. تمكنا من دفع تكاليف الفحوصات والكشوفات، لكن عندما وصلنا إلى مرحلة الجرعات، لم نعد قادرين”.
وبين أن الجرعتين المطلوبتين حاليا تكلفان نحو 300 إلى 320 ألف ليرة تركية، بينما تصل كلفة العلاج الكامل إلى نحو مليونين ومئتي ألف ليرة، مضيفا: “لا أملك القدرة على دفع هذه المبالغ، لذلك أفكر بالعودة إلى سوريا رغم عدم توفر العلاج”.
وأشار إلى أنه تواصل مع طبيبه في سوريا، الذي أكد له أن العلاج الذي يتلقاه غير متوفر، وإن وجد فسيكون مرتفع التكلفة بشكل كبير، موضحا أن بعض الأدوية البديلة موجودة لكنها أقل فعالية.
ألم ومناشدة: “نحترق في كل لحظة”
وفي السياق ذاته، يقول سمير فتنات (50 عاما): “أنا واحد من بين مئات المرضى الذين توقف علاجهم فجأة”، موضحا أنه يعاني من سرطان الرئة بعد أن بدأ المرض في الكلية اليمنى وانتقل لاحقا إلى الرئة، وأنه يتلقى العلاج منذ عامين.
وأضاف: “تفاجأنا منذ أسبوع بوقف العلاج، ومعنا عدد كبير من المرضى، ما أدى إلى تدهور حالتنا الصحية والنفسية بشكل كبير خلال أيام”.
وأشار إلى أن تكلفة العلاج أصبحت خارج القدرة تماما، خاصة بالنسبة لسكان المخيمات، قائلا: “بعد الاستفسار عن الأسعار، تبين أن الجرعات تتراوح بين 3 آلاف دولار أو أكثر، وهو مبلغ لا يمكننا تأمينه”.
وتابع: “حتى المعاينة الطبية أصبحت مكلفة، إذ تصل إلى نحو 4 آلاف ليرة تركية، في ظل إيقاف التأمين الصحي بشكل مفاجئ ودون توضيح الأسباب”.
وأضاف أن العودة إلى سوريا لا تمثل حلا، نظرا لعدم توفر العلاج، قائلا: “لا يوجد علاج مناسب في سوريا، وإن وجد فهو مرتفع التكلفة، لذلك لا نملك أي خيار حقيقي”.
وختم بالقول: “نناشد الجهات المعنية التدخل العاجل، لأننا لم نعد قادرين على تحمل التكاليف… نحن نحترق في كل لحظة”.
القرار التركي يهدد حياة المرضى
وفي تعليقه على هذه التطورات، قال عبد الرحمن زينو، مدير جمعية الأمل لمرضى السرطان في حديث لسوريا 24:”إن آلاف المرضى السوريين، سواء داخل البلاد أو المقيمين في تركيا، تأثروا بشكل مباشر بعد توقف علاجهم بشكل مفاجئ، ما أدى إلى تفاقم أوضاعهم الصحية”.
وطالب زينو السلطات التركية باستكمال علاج المرضى بشكل مؤقت، ريثما يتم توفير بدائل مناسبة داخل سوريا، محذرا من أن التوقف المفاجئ دون حلول بديلة يهدد حياة المرضى بشكل مباشر.
وتدير جمعية الأمل لمعالجة مرضى السرطان عددا من دور الرعاية الخاصة بمرضى السرطان في تركيا، حيث تتوزع مراكزها على ولايات أضنة وغازي عينتاب وأنقرة، وتوفر للمرضى الإقامة والطعام ونفقات المواصلات.
في سوريا: واقع طبي هش
وفي توصيفه لواقع علاج مرضى السرطان في سوريا، أوضح زينو أن التحدي الأساسي يتمثل في ضعف الإمكانيات والموارد المتاحة للقطاع الصحي، رغم وجود جهود جزئية لتحسين الواقع.
وأشار إلى تزويد بعض المراكز الصحية بأجهزة متطورة للكشف المبكر، مثل أجهزة التصوير الطبقي المحوري (CT)، وأجهزة PET، وتقنية المعالجة عن قرب (Brachytherapy)، إلا أن هذه الجهود لا تزال غير كافية لتغطية الاحتياجات المتزايدة.
وفيما يتعلق بالأدوية، بين أنه تم تقديم قائمة تضم نحو 290 صنفا من الأدوية الأساسية، إلا أنه لم تتم الموافقة سوى على 67 صنفا فقط، بسبب صعوبات الاستيراد، ومحدودية الموارد المالية، وعدم إدراج بعض الأدوية ضمن البروتوكولات العلاجية المعتمدة.
ولفت إلى أن عدد مراجعي مراكز علاج السرطان في سوريا يصل يوميا إلى نحو 2000 مريض، في وقت تقتصر فيه الخدمات على عدد محدود من المنشآت، أبرزها مشفى إدلب الوطني، والمشفى الإماراتي في حلب، والمشفى الوطني في اللاذقية، إضافة إلى مراكز محدودة في دير الزور ودرعا.
وأشار إلى توفر خدمات العلاج الشعاعي في اللاذقية، فيما لم يفعل بعد المشفى الخيري في حماة، إلى جانب مشفى البيروني في دمشق، الذي يواصل العمل رغم التحديات الكبيرة في البنية التحتية والتجهيزات.
ولفت إلى أن مشروع إنشاء مركز متخصص لعلاج السرطان في مدينة حلب، بدعم من الحكومة التركية، لم يفعل حتى الآن بسبب إشكاليات تشغيلية.
وكشف زينو أن سوريا تسجل سنويا نحو 15 ألف إصابة جديدة بمرض السرطان، نتيجة عوامل متعددة، من بينها مخلفات الحرب، وانتشار تكرير النفط بطرق بدائية، وسوء التغذية، إضافة إلى الضغوط النفسية.
ضغط متزايد على مشفى البيروني
وفي سياق متصل، قال مدير مشفى البيروني لمعالجة أمراض السرطان، رضوان الأحمد، في تصريح سابق لمنصة “سوريا 24”، إن المشفى يحتاج إلى نحو 66 صنفا من أدوية السرطان (العلاج الكيماوي والمناعي)، تم تأمين جزء منها، فيما ينتظر وصول نحو 20 صنفا خلال الأيام المقبلة بسبب صعوبات النقل والشحن.
وأضاف أن المشفى سجل نحو 12 ألف حالة سرطان جديدة خلال عام 2025، في مؤشر يعكس حجم الضغط الكبير على القطاع الصحي، مشيرا إلى أن عدد التحاليل والفحوصات المخبرية والتشخيصية بلغ نحو 433 ألف حالة، ما يعكس عبئا تشغيليا كبيرا.
وأكد أنه لا توجد حالات متوقفة عن العلاج داخل المشفى، مع اعتماد بروتوكولات علاجية بديلة لتعويض نقص بعض الأدوية.
وأوضح أن دواء “هيرسبتين” (Trastuzumab) الخاص بسرطان الثدي غير متوفر حاليا، لكنه مطلوب رسميا، مع توقع وصوله قريبا ووجود بدائل علاجية مؤقتة.
وأشار إلى أن المشفى يعمل على صيانة أجهزة التصوير الطبقي المحوري، ويملك 3 أجهزة مسرع خطي للعلاجالشعاعي، إضافة إلى أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI)، مع الحاجة إلى استكمال الصيانة وتأمين أجهزة إضافية.
وختم بالقول إن التمويل الحالي غير كاف، وقد تم رفع تقارير بالاحتياجات إلى الجهات الحكومية، مع التعويل على الموازنة العامة لتغطية النقص وتلبية الاحتياجات.
