مع كل موجة صقيع تضرب مرتفعات ريف دمشق، يعود مشهد النيران المشتعلة بين الأشجار المثمرة ليهيمن على البساتين، في محاولة تقليدية يلجأ إليها المزارعون لحماية مواسمهم من الخسارة.
ففي بلدات معروفة بانخفاض درجات الحرارة، خاصة خلال الربيع مع تفتح الأزهار وبداية تشكل الثمار، يوقد الأهالي النيران بين أشجار التفاح والإجاص وغيرها، لرفع درجات الحرارة المحيطة والحد من تأثير الصقيع الذي يهدد مصدر رزقهم.
هذا الأسلوب، الذي يُعد من أقدم الوسائل الزراعية المتبعة، لا يزال حاضراً رغم بدائيته، إذ يجد فيه الفلاحون خيارهم الوحيد لتقليل الخسائر، في ظل غياب بدائل فعالة وميسّرة. وتزداد الحاجة إلى هذه الإجراءات مع التقلبات الجوية الحادة التي تشهدها المنطقة في هذه الفترة من العام، ما يفرض على المزارعين بذل جهود مضاعفة للحفاظ على موسمهم الزراعي.
يقول وسيم، وهو مزارع من بلدة سرغايا، إنهم “يكادون يخسرون أرزاقهم مع كل موجة صقيع”، مشيراً إلى أن طبيعة البلدة المرتفعة تجعلها أكثر عرضة لانخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، وبقاء الثلوج لفترات أطول. ويضيف أن حماية الأشجار والأزهار أصبحت “تحدياً قاسياً”، يدفعهم إلى إشعال النيران داخل البساتين رغم صعوبة المهمة وخطورتها.
ولا تقتصر هذه الممارسات على إشعال الحطب، بل يلجأ بعض المزارعين إلى حرق زيوت السيارات المستعملة أو حتى الإطارات، بهدف توليد دخان كثيف يحدّ من تشكل الصقيع. غير أن هذه الوسائل، رغم فعاليتها النسبية، تخلّف آثاراً صحية وبيئية خطيرة، نتيجة انبعاث غازات سامة قد تسبب أمراضاً تنفسية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن.
في بلدة رنكوس بمنطقة القلمون، يروي المزارع أبو محمود تجربته مع الصقيع، موضحاً أنه قام خلال الأيام الماضية بتوزيع عبوات مملوءة بالزيت المحروق تحت أشجار التفاح، في محاولة لرفع درجة الحرارة وحماية الأزهار. ويؤكد أن هذه الطريقة تُستخدم عادة في ساعات الليل المتأخرة أو قبيل الفجر، حيث تبلغ درجات الحرارة أدنى مستوياتها ويزداد خطر تشكل الصقيع.
ومع اشتعال هذه المواد، تتحول البساتين إلى ما يشبه سحباً ضبابية كثيفة، ترفع الحرارة بشكل طفيف، لكنها في الوقت ذاته تنشر ملوثات خطرة في الهواء، ما يجعلها سلاحاً ذا حدين بين إنقاذ المحصول والإضرار بصحة الإنسان والبيئة.
وتُعد بلدات القلمون، مثل سرغايا ورنكوس، من أبرز المناطق الزراعية في سوريا، ما يجعل الحاجة ملحّة لتدخل فعلي يدعم المزارعين بوسائل أكثر أماناً وفعالية. ويؤكد مزارعون أن استمرار الاعتماد على هذه الأساليب التقليدية يعكس نقص الدعم التقني وغياب الحلول البديلة، مطالبين الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، بالتحرك لتوفير تقنيات حديثة لمواجهة الصقيع.
يرى الفلاحون أن حماية المواسم الزراعية لا تنفصل عن حماية الصحة العامة والبيئة، ما يستدعي تبني حلول علمية مستدامة، تضمن سلامة الإنتاج الزراعي دون تعريض السكان لمخاطر التلوث. فدعم المزارعين في هذه المناطق لا يقتصر على إنقاذ موسم زراعي، بل يمتد ليشكل دعامة أساسية للاقتصاد المحلي والأمن الغذائي في البلاد.