تشهد محافظة طرطوس حالة من الجمود شبه الكامل في سوق العمل، وسط تراجع حاد في الفرص المتاحة وغياب أي مؤشرات على تحسن قريب.
ويصف عاملون وخريجون هذا الواقع بأنه “الأصعب منذ سنوات”، في ظل تشبّع القطاع العام وتوقفه عملياً عن استيعاب موظفين جدد، مقابل قطاع خاص يرزح تحت ضغوط اقتصادية خانقة حدّت من قدرته على التوسع أو خلق وظائف جديدة.
ويقتصر التوظيف في معظم الحالات على أعمال خدمية بسيطة، غالباً ما تكون بعيدة عن اختصاصات الخريجين الجامعيين، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل. هذه الفجوة، بحسب مراقبين، تحولت إلى أزمة بنيوية تعكس اختلالاً عميقاً في هيكل الاقتصاد المحلي.
فجوة متسعة بين التعليم وسوق العمل
يخرج سنوياً آلاف الخريجين من جامعات طرطوس ومحيطها، ليصطدموا بسوق عمل عاجز عن استيعابهم. ويجد كثيرون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بوظائف بأجور متدنية لا تغطي حتى تكاليف التنقل، أو البقاء ضمن دائرة البطالة المقنّعة بانتظار فرصة قد لا تأتي.
وتتعدد أسباب هذا الواقع، في مقدمتها غياب المنشآت الصناعية الكبرى التي يمكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من اليد العاملة، إضافة إلى تراجع القطاع الزراعي الذي كان يشكل رافعة أساسية للتشغيل في الريف.
كما ساهم التضخم وضعف الاستثمار في تقليص قدرة القطاع الخاص على التوسع، ما أدى إلى انكماش إضافي في فرص العمل.
أجور متدنية لا تواكب التضخم
تعكس مستويات الأجور في طرطوس عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العاملون. إذ تتراوح الأجور اليومية في الأعمال الحرة بين 100 و150 ألف ليرة سورية، في حين يبلغ متوسط الرواتب الشهرية في القطاع الخاص ما بين مليون ومليوني ليرة.
ورغم أن هذه الأرقام تبدو مرتفعة، لكنها تفقد قيمتها الفعلية أمام الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، ما يجعلها غير كافية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
ويؤكد عاملون أن كثيراً من الوظائف باتت غير مجدية اقتصادياً، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والاحتياجات الأساسية.
استنزاف نفسي واجتماعي للخريجين
لا يقتصر تأثير البطالة على الجانب المادي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة. إذ يعيش الشباب الذين لم يتمكنوا من إيجاد فرص عمل حالة من الإحباط المتزايد، تدفع بعضهم إلى العزلة أو الانسحاب من الحياة الاجتماعية.
كما يضطر كثيرون للاعتماد على دعم عائلاتهم، أو اللجوء إلى أعمال هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من المصروف الشخصي.
ويهدد هذا الواقع، بحسب سكان المنطقة، بتآكل رأس المال البشري ويؤدي إلى فقدان الكفاءات مع مرور الوقت.
السفر أصبح الحل الوحيد
يقول عبد المالك أبو مازن، وهو موظف متقاعد في حديث لمنصة سوريا 24، إن “الوضع في طرطوس صار فوق الاحتمال؛ القطاع العام مشبّع تماماً، والقطاع الخاص بالكاد يغطي مصاريفه”.
ويضيف أن الشباب الذين يعملون في مهن خدمية بسيطة “لا تكفي رواتبهم حتى تكاليف المواصلات”، مشيراً إلى وجود “فجوة مرعبة بين سنوات الدراسة وسوق عمل عاجز”.
ويتابع أبو مازن أن ابنه، رغم تحصيله العلمي، لم يجد أمامه سوى خيار السفر، مضيفاً: “الاعتماد على الأهل بهذا العمر مؤلم، والسفر صار ضرورة وليس رفاهية”.
ويشدد على أن الحل يكمن في “إقامة منشآت إنتاجية حقيقية ودعم الزراعة التي كانت تشكل سنداً أساسياً للريف”.
من جهتها، تصف لينا سعيد، وهي خريجة جامعية، رحلة البحث عن عمل بأنها “حالة ضياع”، موضحة في حديث لمنصة سوريا 24، أن الرواتب المتاحة “لا تواكب التضخم ولا تحقق الاستقرار”.
وتقول إن كثيراً من الخريجين يلجؤون إلى أعمال هامشية بعيدة عن اختصاصهم، ما يولد “حالة من اليأس والعزلة”.
وتضيف أن الحلول المطروحة يجب أن تكون عملية، من خلال “تقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين، وتأمين قروض ميسرة تساعد الشباب على إطلاق مشاريعهم الخاصة”، مؤكدة أن “السفر لم يعد حلماً، بل أصبح مهرباً أخيراً من واقع الجمود”.
موجة هجرة متصاعدة وغير مسبوقة
في ظل هذا الواقع، تشهد طرطوس موجة هجرة متزايدة، وصفها سكان بأنها “غير مسبوقة”.
ولم يعد الشباب يكتفون بالبحث عن فرص في محافظات أخرى، بل باتت وجهتهم الأساسية خارج البلاد، سواء عبر طرق نظامية أو محفوفة بالمخاطر.
وباتت هذه الظاهرة، حسب تعبير بعض الأهالي، تمثل نزيفاً مستمراً للطاقات الشابة، ما قد ينعكس سلباً على مستقبل التنمية في المحافظة، ويزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
الاستثمار والزراعة أولاً
يلخص أهالي طرطوس مطالبهم في جملة من الإجراءات التي يرون أنها كفيلة بالتخفيف من حدة البطالة، أبرزها تقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين لافتتاح مصانع ومنشآت إنتاجية قادرة على استيعاب الأيدي العاملة.
كما يشددون على ضرورة دعم القطاع الزراعي، من خلال توفير المحروقات والأسمدة بأسعار مدعومة، لإعادة إحياء النشاط الريفي الذي كان يشكل أحد أهم مصادر الدخل والتشغيل.
إلى جانب ذلك، يطالب السكان بربط مخرجات التعليم باحتياجات السوق، وتوفير قروض ميسرة للمشاريع الصغيرة، بما يمكن الخريجين من إنشاء أعمالهم الخاصة بدل الانتظار الطويل لوظائف حكومية محدودة.