تعد الحدائق العامة في مدينة طرطوس المتنفس الأبرز للأهالي، والملاذ المجاني شبه الوحيد الذي تلجأ إليه العائلات لقضاء أوقات الراحة بعيداً عن أعباء الحياة اليومية.
إلا أن هذا الدور الحيوي بدأ يتراجع تدريجياً في ظل مظاهر إهمال متزايدة، ما دفع السكان إلى طرح تساؤلات جدية حول واقع هذه المساحات الخضراء ومستقبلها.
تراجع في المشهد الجمالي والخدمي
ويلاحظ الزائر، خلال جولات ميدانية في عدد من حدائق المدينة، تراجعاً واضحاً في مستوى العناية الدورية، حيث تبدو بعض المساحات الخضراء شبه جافة، مع انتشار الأعشاب البرية بشكل عشوائي، في مؤشر على ضعف أعمال الصيانة والري.
ولا يقتصر التراجع على الغطاء النباتي فحسب، بل يمتد إلى المرافق الخدمية، إذ تظهر علامات التآكل على المقاعد الخشبية، فيما تغيب الإنارة في بعض الزوايا، الأمر الذي ينعكس سلباً على شعور الزوار بالأمان، خاصة خلال ساعات المساء.
كما تسجل بعض الحدائق تراكمات للنفايات نتيجة نقص سلال القمامة أو سوء توزيعها، ما يسيء إلى المظهر العام ويحد من جاذبية المكان كمساحة للاستجمام.
أسباب متعددة وتحديات متراكمة
بحسب متابعين للشأن الخدمي، فإن هذا التراجع يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها النقص الحاد في الكوادر البشرية العاملة ضمن مديرية الحدائق، سواء من المزارعين أو الحراس، ما يجعل متابعة عشرات الحدائق مهمة صعبة في ظل الإمكانات الحالية.
إلى جانب ذلك، تعاني الجهات المعنية من ضعف الموارد المالية، إذ لم تعد الميزانيات المخصصة للصيانة كافية لتغطية تكاليف المعدات وقطع الغيار وشبكات الري الحديثة، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في أسعارها.
ويشير بعض الأهالي إلى أن توسع الاستثمارات داخل الحدائق، عبر إقامة أكشاك ومطاعم، أسهم في تقليص المساحات المجانية، وأثر في طبيعة هذه الأماكن كمرافق عامة مفتوحة للجميع.
كما لا يغيب عامل السلوك الفردي، حيث يسهم بعض الزوار، عن قصد أو غير قصد، في تخريب المرافق أو ترك النفايات، ما يزيد من أعباء الصيانة ويسرع من تدهور الواقع الخدمي.
مسؤولية مشتركة بين المواطن والجهات المعنية
وأكد عدنان أبو محمد، من سكان طرطوس، في حديث لمنصة سوريا 24، أن المسؤولية لا تقع على عاتق البلدية وحدها، قائلاً إن “الأهالي يتحملون جزءاً كبيراً من المشكلة، فهناك من يترك مخلفاته رغم توفر الحاويات، أو يسمح لأطفاله بتخريب الأشجار والمقاعد”، مضيفاً أن الحديقة “تمثل بيتاً ثانياً، والحفاظ عليها واجب جماعي”.
من جهتها، لفتت ليلى الحسن، في حديث لمنصة سوريا 24، إلى أهمية نشر ثقافة الحفاظ على المكان العام، معتبرة أن “غياب هذه الثقافة يدفع البعض للتعامل مع الحدائق على أنها مباحة للعبث”، مشيرة إلى ضرورة إطلاق حملات توعية تبدأ من المدارس، وتعزيز الرقابة الذاتية لدى الأهالي.
مطالبات خدمية وتحسينات عاجلة
وفي سياق متصل، عبر عدد من المواطنين عن مطالب خدمية محددة، أبرزها ضرورة شمول جميع الحدائق بأعمال التنظيم والصيانة دون استثناء، وعدم حصر الاهتمام بحدائق المركز والكورنيش.
كما أشاروا إلى أن حديقة المشبكة العليا الواقعة أسفل نقابة المعلمين تعاني من واقع مترد، إضافة إلى وجود هدر في المياه نتيجة تسرب من الصنابير داخل دورات المياه، ما يتطلب تدخلاً سريعاً لمعالجة المشكلة.
وطالب الأهالي أيضاً بصيانة حديقة الطلائع، ولا سيما تقليم الأشجار المحاذية للسور الشمالي، لما تشكله من عائق بصري وخدمي، إلى جانب تحسين واقع حدائق أخرى مثل حديقة الممشى، التي تحتاج إلى متابعة دورية.
نحو رؤية تشاركية لإعادة التأهيل
ويرى الأهالي أن إعادة الحيوية لحدائق طرطوس تتطلب تبني رؤية متكاملة تقوم على تعزيز التشاركية بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي، من خلال تشجيع المبادرات الأهلية والجمعيات البيئية للمساهمة في حملات التشجير والنظافة.
كما يبرز دور الرقابة على الاستثمارات داخل الحدائق، عبر إلزام أصحاب الأكشاك والمطاعم بالمساهمة في صيانة المساحات المحيطة، بما يضمن تحقيق توازن بين الاستثمار والحفاظ على الطابع العام.
وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى توزيع عادل للإمكانات، بحيث تحظى حدائق الأحياء الشعبية بالاهتمام ذاته الذي تناله الحدائق الواقعة في مركز المدينة.
الحديقة مرآة المدينة
وتبقى الحدائق العامة مؤشراً حقيقياً على مستوى جودة الحياة في أي مدينة، ومرآة تعكس درجة الوعي المجتمعي وكفاءة الإدارة المحلية.
وبين مطالبات الأهالي وتحديات الواقع، تبدو الحاجة ملحة لتحرك متوازن يجمع بين القرار الإداري المسؤول والسلوك المجتمعي الواعي، لضمان بقاء هذه المساحات الخضراء متنفساً حقيقياً لجميع السكان.