في سهول حوران… فلاحون يحتجون على تسعيرة القمح ويطالبون بحماية الزراعة

حجم الخط

يقف محمود الزعبي عند أطراف أرضه الزراعية في قرية اليادودة بريف درعا، يتأمل سنابل القمح التي انحنت تحت شمس أيار الثقيلة. بالنسبة للفلاح الذي اعتاد أن يرى في موسم الحصاد لحظة انتظار وفرح، بات المشهد هذا العام محملاً بالقلق أكثر من الطمأنينة، في ظل ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الزراعة وتراجع الجدوى الاقتصادية للمحصول.

في جنوب سوريا، حيث شكّل القمح لعقود أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية ومصدر رزق أساسي لآلاف العائلات، تتصاعد شكاوى المزارعين من اتساع الفجوة بين تكاليف الإنتاج والتسعيرة الرسمية المعتمدة لشراء المحصول، وسط أزمة اقتصادية متفاقمة وارتفاع مستمر في أسعار المحروقات والخدمات الزراعية.

يقول الزعبي إن الفلاح بات يواجه سلسلة طويلة من النفقات تبدأ من حراثة الأرض وشراء البذار، ولا تنتهي عند أجور الحصاد والنقل وضمان الأراضي الزراعية، موضحاً أن معظم المزارعين يعملون في أراضٍ مستأجرة بنظام “الضمان”، ما يضيف أعباء مالية إضافية على الموسم الزراعي.

ويشير إلى أن تكلفة نقل الطن الواحد تصل إلى نحو 30 دولاراً، إلى جانب تكاليف الفلاحة والبذار واليد العاملة والمحروقات، معتبراً أن السعر الحالي للقمح لا يغطي النفقات الفعلية التي يتحملها الفلاح.

ويقول إن المزارعين لم يعودوا يطالبون بأرباح كبيرة، بل بسعر يضمن لهم الاستمرار وعدم الخروج من الموسم بخسائر، مطالباً وزارة الزراعة والحكومة بتقديم دعم مباشر للقطاع الزراعي، “كون القمح يشكل جزءاً أساسياً من الأمن الغذائي في سوريا”.

بدوره، يرى مزارع آخر أن العبء الأكبر يتمثل في أسعار المحروقات، بعدما ارتفع سعر ليتر المازوت إلى ما بين 12 و13 ألف ليرة سورية، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف تشغيل الحصادات وعمليات النقل والخدمات الزراعية الأخرى.

ويضيف أن أجور تشغيل الحصادات لم تعد تكفي لتغطية تكلفة الوقود، محذراً من أن استمرار هذا الواقع سيدفع كثيراً من المزارعين إلى تقليص زراعة القمح أو التخلي عنها خلال المواسم المقبلة.

في مدينة طفس، تبدو المخاوف متشابهة، إذ يعتبر فريد أحمد الناطور، من الجمعية الفلاحية في المدينة، أن التسعيرة الرسمية الأخيرة “غير مجدية للفلاح ولا للمزارع”، موضحاً أن زراعة القمح تحتاج إلى رأس مال مرتفع لم يعد يتناسب مع العائد المتوقع.

ويشير الناطور إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج بات يفوق قدرة كثير من المزارعين، داعياً إلى إعادة النظر في أسعار شراء القمح بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي وأسعار المحاصيل في دول الجوار.

ويضيف أن الفلاح السوري “لا يبحث عن أرباح كبيرة، بل عن هامش يضمن له الاستمرار”، لافتاً إلى أن كثيراً من المزارعين باتوا يخشون خسارة مواسمهم أو تراكم الديون عليهم في حال استمرار الأسعار الحالية.

من جهته، يوضح فؤاد أحمد الحريري، مدير اتحاد الفلاحين في درعا والمهندس الزراعي، أن تكلفة إنتاج القمح ارتفعت بشكل كبير خلال الموسم الحالي نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة والمحروقات والخدمات الزراعية.

ويبيّن الحريري أن تكلفة زراعة الهكتار الواحد تبدأ من عمليات الحراثة وقلب الأرض، التي تصل إلى نحو 10 آلاف ليرة سورية جديدة، إضافة إلى 14 ألف ليرة للبذار و7 آلاف ليرة للمبيدات الزراعية.

أما الأسمدة، فتشكل العبء الأكبر على الفلاحين، إذ تصل تكلفتها إلى نحو 25 ألف ليرة سورية جديدة للهكتار الواحد، إلى جانب نحو 20 ألف ليرة للحصاد ومبلغ مماثل تقريباً لأجور اليد العاملة، فضلاً عن تكاليف الأكياس والنقل والمصاريف النثرية الأخرى.

ويشير الحريري إلى أن التكلفة الإجمالية للهكتار الواحد تتراوح بين خمسة ملايين وخمسة ملايين وثلاثمائة ألف ليرة سورية وفق السعر المتداول بالعملة القديمة، أي ما يعادل نحو 112 ألفاً إلى 115 ألف ليرة سورية جديدة، مع احتمال ارتفاعها تبعاً لأسعار الوقود والخدمات الزراعية خلال الموسم.

ووفق تقديرات اتحاد الفلاحين في درعا، يبلغ متوسط إنتاج الهكتار الواحد نحو 2500 كيلوغرام من القمح، ما يعني أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد تصل إلى نحو 45 ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل قرابة 4500 ليرة سورية بالعملة القديمة.

ويطالب الحريري بأن تكون التسعيرة المعتمدة لشراء القمح بحدود 5300 ليرة سورية جديدة للطن، أي ما يعادل نحو 400 دولاراً للطن.

ويرى الحريري أن استمرار الفجوة بين تكاليف الإنتاج والأسعار الرسمية “قد يدفع كثيراً من المزارعين إلى العزوف عن زراعة القمح”، محذراً من انعكاسات ذلك على الأمن الغذائي في سوريا، في ظل التراجع المستمر في الإنتاج الزراعي وتأثيرات الجفاف والأزمة الاقتصادية.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متزايدة تتعلق بتأمين المحاصيل الاستراتيجية، وسط تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الزراعة وضعف الدعم المقدم للقطاع الزراعي.

وبالنسبة لكثير من المزارعين في درعا، لم تعد زراعة القمح مجرد موسم للحصاد، بل تحولت إلى معركة مرتبطة بالقدرة على البقاء. وبين السنابل التي يراقبها محمود الزعبي بصمت، تختلط رائحة الأرض بأسئلة المستقبل، في بلدٍ لم يعد فيه القمح محصولاً استراتيجياً فحسب، بل اختباراً يومياً لقدرة الناس على الصمود.