بعد تسع سنوات على خروج آخر قوافل التهجير من حي الوعر في مدينة حمص، عاد الأهالي هذا العام لإحياء الذكرى من داخل الحي نفسه، لا من مخيمات النزوح أو مدن اللجوء كما في السنوات الماضية.
وبين الأبنية المتعبة والشوارع التي ما تزال تحمل آثار الحرب، بدا المشهد أقرب إلى مصالحة طويلة بين الناس والمكان، أكثر منه مجرد فعالية لاستذكار التهجير.
في باحة مسجد العمري، حيث بدأ التجمع عقب صلاة العصر، كان العائدون يتبادلون نظرات ثقيلة بالحنين.. رجال غابوا سنوات عن الحي، نساء يبحثن في الوجوه عن جيران قدامى، وأطفال يسمعون للمرة الأولى حكايات المكان الذي ولدت فيه ذاكرتهم قبل أن يعرفوه.
لم تكن الكلمات عالية، ولا الشعارات طاغية.. وحدها التفاصيل الصغيرة كانت تتكفل باستحضار السنوات التسع الماضية؛ أسماء الغائبين، والبيوت التي هدمت، والطرق التي عبرتها الحافلات الخضراء يوم خرج السكان قسرا من الوعر عام 2017، في واحدة من أبرز محطات التهجير التي شهدتها مدينة حمص خلال سني الثورة السورية.
ومن مسجد العمري، سار المشاركون بهدوء نحو مقبرة الشهداء.. هناك، اختلط الدعاء بالصمت الطويل. كثيرون وقفوا أمام القبور كأنهم يحاولون اختصار سنوات كاملة في لحظة واحدة.
آخرون اكتفوا بالنظر إلى الأسماء المحفورة على الشواهد، بينما كانت الأحاديث الجانبية تستعيد قصص الحصار والقصف والأيام الأخيرة قبل الرحيل.
الدكتور عبد الحمد الحمود، وهو أحد أبناء الحي الذين عادوا إلى الوعر بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، يقول إن الذكرى هذا العام “تحمل معنى مختلفا تماما”.
ويضيف: “لسنوات كنا نحيي هذه الذكرى بعيدا عن مدينتنا، أما اليوم فنقف هنا من جديد.. صحيح أن الحرب تركت جراحا كبيرة، لكن مجرد عودة الناس إلى بيوتها يمنح شعورا بأن هذه المدينة لم تهزم”.
بالنسبة إلى كثير من أبناء الوعر، لم تعد العودة مجرد فكرة مؤجلة. خلال الأشهر الماضية، عاد مهجرون أفرادا وعائلات كاملة إلى الحي، بعضهم وجد منزله متضررا، وآخرون عادوا ليبدأوا من الصفر تقريبا، لكن كثيرين يقولون إن العودة نفسها كانت الحلم الذي أبقاهم متشبثين بالأمل طوال سنوات النزوح.
فيصل أبو عزام، الذي كان ضمن آخر الخارجين من الوعر عام 2017، سار خلال الفعالية في الطريق ذاته الذي غادر منه قبل تسع سنوات. يقول إن المشهد لا يزال حاضرا في ذاكرته بتفاصيله الدقيقة.
“كان الشبيحة منتشرين على طول الطريق يوم التهجير، وكنا نشاهد بحسرة كيف نترك بيوتنا وراءنا”، يقول فيصل، قبل أن يتابع بصوت منخفض: “في تلك اللحظة شعرنا أننا نفقد كل شيء دفعة واحدة. لكننا اليوم نعود، وهذا بحد ذاته شيء لم نكن نجرؤ على تخيله قبل سنوات”.
ومع انتقال المشاركين إلى مدينة المعارض، حيث أقيمت الفعالية المركزية، بدا واضحا أن الحديث لم يعد يقتصر على استذكار الماضي فقط، بل أخذ يتجه تدريجيا نحو المستقبل؛ نحو المدارس التي تحتاج إلى إعادة افتتاح، والمحال التي يحاول أصحابها ترميمها، والعائلات التي عادت لتزرع شيئا من الحياة في الشوارع التي بقيت صامتة لسنوات.
وخلال الكلمات التي ألقيت في الفعالية، استعاد الحضور أسماء المسعفين والأطباء والمتطوعين الذين بقوا إلى جانب السكان خلال الحصار، كما جرى الحديث عن الذين قتلوا أو غابوا خلال سنوات الحرب، في محاولة للحفاظ على ذاكرة جماعية يخشى كثيرون أن يبتلعها النسيان.
لكن، وعلى الرغم من ثقل الذاكرة، بدا أن ما يطغى على وجوه العائدين اليوم ليس الحزن وحده، بل رغبة واضحة في استعادة الحياة الطبيعية، ولو ببطء.
يقول الدكتور الحمود: “لا أحد يستطيع أن يمحو ما حدث، لكن الناس تعبت من الموت والغياب. اليوم هناك جيل كامل يريد أن يبني، أن يفتح متجرا أو مدرسة أو مشروعا صغيرا، وأن يشعر أخيرا بأن له مستقبلا في هذه المدينة.. سقوط الأسد أعاد الحياة إلينا”.
وعلى الرغم من انتهاء الفعالية، فإن الذاكرة المثقلة بالقروح والجراح لدى جل السكان جعلت العديد من شبان الحي يلتقطون الصور مع المباني المهدمة والشوارع المهترئة، لعل حلمهم بإعادة الإعمار يتحقق رغم تواضع الإمكانيات الحكومية التي لم تستطع تحسين واقع الحال في الحي بعد مرور نحو عام وبضعة أشهر على سقوط النظام.
لكن، رغم صعوبة الواقع، فإن الأمل لا يفارق أبو عزام، الذي أكد لمراسلنا في ختام حديثه أن هذه المدينة، رغم كل ما مر عليها، ما تزال قادرة على أن تبدأ مرة أخرى.

