قبل ساعات من حلول عيد الأضحى، استعادت أسواق حلب شيئًا من ضجيجها القديم. في الأزقة المزدحمة، كان الأطفال يركضون خلف واجهات الألعاب والملابس، بينما تتسلل روائح الكعك والسمن والقهوة من المحال الصغيرة المنتشرة في الأسواق الشعبية.
بدت المدينة، للحظة، وكأنها تحاول استعادة صورة العيد التي عرفتها قبل سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي.
لكن خلف هذا المشهد المزدحم، كانت حركة الناس أبطأ من المعتاد. كثيرون يتوقفون أمام الأسعار أكثر مما يتوقفون أمام البضائع نفسها. عائلات جاءت لتتجول، لا لتشتري بالضرورة، وآباء يحاولون موازنة فرحة العيد مع قدرة مالية تتآكل عامًا بعد آخر.
في سوق الجميلية وسط المدينة، كان عدنان طحان، وهو معلم متقاعد خدم أكثر من أربعين عامًا في التعليم، يحمل كيسًا صغيرًا بالكاد يحتوي على بعض الحاجيات.
يقول إن راتبه التقاعدي، البالغ 840 ألف ليرة سورية، لم يعد يكفي لتغطية أساسيات الحياة.
“العيد يبقى عيدًا، والناس تحاول أن تفرح”، يقول الرجل السبعيني، قبل أن يضيف بنبرة متعبة: “لكن الظروف الاقتصادية صعبة جدًا، ونحن المتقاعدون لم تشملنا أي زيادة أو منحة”.
يتحدث طحان عن مفارقة بات السوريون يكررونها يوميًا: “نقبض بالليرة السورية، لكن كل شيء يُسعّر بالدولار”.
وبرأيه، كان العيد الماضي أقل قسوة من ناحية الأسعار والمنح، فيما أدى غياب الرقابة التموينية، بحسب وصفه، إلى ارتفاعات غير منضبطة في الأسواق.
على بعد خطوات، كان محمد علي، القادم من تركيا لقضاء العيد مع عائلته، يراقب حركة السوق بصمت.
يقول لموقع سوريا 24 إن الوضع الأمني “أفضل بكثير” مقارنة بالسنوات السابقة، لكن المعيشة ما تزال بعيدة عن قدرة الناس الحقيقية.
محمد، الذي يعمل في قطاع النسيج، يرى أن العودة النهائية إلى سوريا ليست ممكنة بالنسبة له حاليًا. “إذا كان العامل سيقبض 200 دولار فقط، فكيف سيعيش؟”، يتساءل، مشيرًا إلى أن أقل إيجار منزل بات يقارب 150 دولارًا شهريًا.
ويضيف أن حياته في تركيا، رغم الغربة، “أكثر استقرارًا من ناحية الراتب والتأمين وفرص العمل”.
داخل أحد محال الألبسة، كان حسام نيال يعيد ترتيب قمصان الأطفال المعلقة على الواجهة، بينما يدخل الزبائن ويخرجون دون شراء في كثير من الأحيان.
يقول لموقع سوريا 24 إن الأسعار هذا الموسم متفاوتة بشكل كبير نتيجة ارتفاع الإيجارات وتذبذب سعر الصرف. بعض الأطقم يبدأ من 15 دولارًا، فيما تصل أسعار أخرى إلى 60 دولارًا بحسب الجودة والنوعية.
ورغم اعتقاده أن الأسواق هذا العام “أفضل نسبيًا” من الموسم الماضي، فإنه يؤكد أن المشكلة الأساسية تبقى في ضعف القدرة الشرائية. “هناك حركة في السوق، لكن أغلب الناس تسأل أكثر مما تشتري”، يقول نيال.
في الجهة المقابلة، وقف نبيه خليل خلف صفوف طويلة من الكعك والغريبة والبرازق. يشرح صاحب محل الحلويات أن ارتفاع أسعار المواد الأولية، خصوصًا السمن الحيواني، رفع تكلفة الإنتاج بشكل كبير هذا العام.
“كيلو الكعك بـ60 ألف ليرة، والغريبة بـ80 ألفًا”، يقول الرجل، مضيفًا أن حركة البيع “مقبولة، لكنها أضعف من العيد الماضي”.
ومع اقتراب المساء، بدأت الأسواق تخف تدريجيًا، فيما بقيت الزينة معلقة فوق الشوارع القديمة التي استعادت شيئًا من حيويتها المؤقتة.
في حلب، لا يغيب العيد تمامًا، لكنه يأتي هذه المرة محملًا بثقل المعيشة وأسئلة الغد.
فبين أكياس الحلوى الصغيرة وواجهات الملابس المضيئة، تحاول عائلات كثيرة التمسك بما تبقى من طقوس الفرح، حتى وإن أصبح الاحتفال نفسه رفاهية صعبة المنال.
