سوريا 24 ترصد عيد الأضحى بين فرح السوريين وذاكرة الحرب

حجم الخط

في صباح عيد الأضحى، بدت المدن السورية وكأنها تبحث عن هدنة قصيرة مع سنواتها الثقيلة. منذ ساعات الفجر الأولى، امتلأت المساجد والساحات بالمصلين، بينما استعادت الشوارع شيئاً من حركتها المعتادة، في مشهد تداخلت فيه الطقوس الدينية مع محاولات السوريين استعادة تفاصيل حياة أرهقتها الحرب والأزمات الاقتصادية والنزوح الطويل.

في مدينة حلب، أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس، الواقع بالقرب من دوار الفرس، بحضور عدد من الوزراء ووجهاء المدينة. وبعد الصلاة، التقى الشرع عدداً من وجهاء وأعيان محافظة حلب، حيث تبادل معهم التهاني بعيد الأضحى المبارك، في لقاء حمل طابعاً اجتماعياً ورسائل مرتبطة بإعادة ترميم العلاقة بين السلطة والمجتمع المحلي.

وخلال زيارته، دوّن الشرع رسالة تذكارية قال فيها: “شيء مهيب أن تقف أمام عظمة التاريخ في حلب الشهباء… اللهم احمِ حلب وأهلها وأعنّا على خدمتهم”. بدت العبارة محاولة لاستحضار المكانة التاريخية للمدينة التي ما تزال تحمل آثار الحرب على أحيائها القديمة وأسواقها ومعالمها الثقافية.

وفي شوارع حلب، حضرت تفاصيل العيد اليومية أكثر من أي خطاب رسمي. قرب المقابر، توافدت العائلات لزيارة قبور أقارب فقدوا خلال سنوات الحرب أو النزوح أو الاعتقال، بينما شهدت حديقة السبيل ازدحاماً لافتاً بالعائلات والأطفال الذين خرجوا للاحتفال بالعيد وسط أجواء بسيطة، لكنها بدت كافية لصناعة لحظات فرح مؤقتة.

وفي شمال سوريا، نقل مراسلو “سوريا 24” صلاة عيد الأضحى من أحد مخيمات مدينة أعزاز، حيث اجتمع النازحون بين صفوف الخيام لأداء الصلاة وتبادل التهاني. هناك، بدا العيد أقل صخباً وأكثر ارتباطاً بفكرة الصمود اليومي؛ أطفال بملابس جديدة فوق طرقات ترابية، وعائلات تحاول الحفاظ على طقوس اعتادت عليها قبل سنوات النزوح.

كما رصدت الشبكة صلاة العيد في مدينة تل رفعت وبلدة قبتان الجبل بريف حلب، حيث امتلأت المساجد والساحات بالمصلين منذ ساعات الصباح الأولى.

وفي مدينة حمص، استعادت الأحياء القديمة شيئاً من حيويتها مع حلول العيد. في حي باب الدريب ومحيط مسجد العصياتي، تبادل الأهالي التهاني وسط حركة ملحوظة في الأسواق والشوارع الضيقة التي بدأت تستعيد تدريجياً إيقاعها الاجتماعي. كما نقلت “سوريا 24” مشاهد صلاة العيد في مسجد خالد بن الوليد، أحد أبرز المعالم الدينية في المدينة.

أما في محافظة إدلب، فقد تحولت ساحة باب الهوى بمدينة سرمدا إلى نقطة تجمع كبيرة للمصلين، حيث أدى مئات الأهالي صلاة العيد في مشهد عكس الطابع الجماعي والشعبي للمناسبة، في منطقة ما تزال تعيش تحديات إنسانية واقتصادية معقدة.
وفي الجنوب السوري، رصدت “سوريا 24” صلاة العيد في المسجد العمري بمدينة درعا، قبل أن يتوجه كثير من الأهالي إلى المقابر، في طقس اجتماعي بات جزءاً ثابتاً من الأعياد السورية خلال السنوات الأخيرة، حيث تختلط التهاني بذكرى الغائبين.

وفي محافظة الحسكة، نقلت الشبكة صلاة عيد الأضحى من مسجد النبي محمد بمدينة الشدادي، بينما شهدت مدينة القامشلي مظاهر فرح متواضعة للأطفال، مع انتشار الألعاب والبسطات في الساحات العامة.

كما رصد مراسلو “سوريا 24” صلاة العيد في قرية كسرة شيخ الجمعية بريف الرقة الجنوبي، حيث اجتمع الأهالي في الساحات المفتوحة والمساجد لتبادل التهاني وإحياء الطقوس التقليدية للعيد.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بدا المشهد الاقتصادي حاضراً حتى في تفاصيل الاحتفال. فقد طرحت “سوريا 24” سؤالاً تفاعلياً على متابعيها: “كم تبلغ قيمة العيدية في منطقتكم؟”، لتتحول التعليقات إلى انعكاس مباشر للتفاوت المعيشي بين المناطق السورية.

بعض المتابعين تحدثوا عن عيديات تصل إلى خمسين ألف ليرة سورية، فيما اختار آخرون السخرية للتعبير عن ضيق الحال، إذ كتب أحدهم: “عمو شو يعني عيدية؟”. وفي مناطق الشمال السوري، حيث أصبحت الليرة التركية جزءاً من الحياة اليومية، تراوحت العيديات بين 10 و100 ليرة تركية تبعاً لأعمار الأطفال والوضع الاقتصادي للعائلات.

ورغم اختلاف المشاهد بين مدينة وأخرى، بدا واضحاً أن العيد في سوريا لم يعد مناسبة للوفرة بقدر ما أصبح مساحة قصيرة لمحاولة استعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. فبين المساجد والمخيمات والمقابر والحدائق العامة، يحاول السوريون، عاماً بعد آخر، الحفاظ على الطقوس التي تمنحهم شعوراً بالاستمرار، حتى وإن تغيّرت البلاد من حولهم بصورة يصعب تجاهلها.

وفي بلدٍ ما تزال ذاكرته مثقلة بالخسارات، بدا عيد الأضحى هذا العام أقرب إلى لحظة جماعية للتمسك بما تبقى من الروابط الاجتماعية والتفاصيل الإنسانية الصغيرة.

فالعيد هنا لم يعد مجرد مناسبة دينية، بل محاولة متكررة لاستعادة الإحساس بالحياة، ولو لساعات قليلة؛ في ضحكة طفل، أو زيارة عائلة لمقبرة، أو فنجان قهوة صباحي يجتمع حوله الأقارب الذين فرّقتهم السنوات وأعادتهم المناسبة، مؤقتاً، إلى ذاكرة المكان الأولى.