العدالة لا تسقط بالتقادم.. عائلة رانيا العباسي نموذجاً لمعاناة المفقودين في سوريا

حجم الخط

برزت قضية الطبيبة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة بوصفها واحدة من أكثر القضايا إيلاماً ورمزية في الذاكرة السورية. فالقضية التي شغلت الرأي العام لسنوات طويلة لم تكن حادثة استثنائية أو حالة معزولة، بل تمثل نموذجاً مأساوياً لما تعرضت له مئات العائلات السورية التي اختفى أفرادها أو فُقدت بأكملها في ظروف مشابهة، من دون أن تحصل على حقها في معرفة الحقيقة أو الوصول إلى العدالة.

يؤكد المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، في حديثه لـ”سوريا 24″، أن خطورة هذه الجرائم لا ترتبط فقط بعدد الضحايا أو فداحة الانتهاكات المرتكبة، بل بطبيعتها المنهجية واتساع نطاقها.

ويوضح أن جرائم الإخفاء القسري والتعذيب المفضي إلى الموت والإعدامات خارج نطاق القضاء واستهداف العائلات على خلفيات سياسية أو اجتماعية، لا يمكن النظر إليها باعتبارها تجاوزات فردية أو أحداثاً منفصلة، بل أفعالاً قد ترقى، وفق القانون الدولي، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية تستوجب الملاحقة القضائية والمساءلة.

ويشير الكيلاني إلى أن الحفاظ على الأدلة وكشف الوثائق وإتاحة المعلومات المتعلقة بهذه الجرائم يمثل التزاماً قانونياً وأخلاقياً، وليس مجرد مطلب سياسي أو إعلامي. فالحقيقة حق أصيل للضحايا وذويهم، كما أنها تشكل أحد الشروط الأساسية لأي مسار جاد للعدالة الانتقالية. أما حجب الأدلة أو إخفاؤها أو الامتناع عن تسليمها، فلا يؤدي إلا إلى إطالة أمد معاناة العائلات وتأخير الوصول إلى العدالة.

 

وفي هذا السياق، يرى أن الحديث عن مصالحة وطنية أو استقرار مستدام لا يمكن أن يكون واقعياً من دون كشف مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الانتهاكات، وتحديد المسؤوليات الفردية، وضمان محاسبة المتورطين فيها. فالسلام الحقيقي لا يقوم على تجاهل الجرائم أو طمسها، بل على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومكافحة الإفلات من العقاب، وهي مبادئ ما تزال تمثل مطلباً أساسياً لعشرات آلاف الأسر السورية التي تنتظر العدالة منذ سنوات.

 

ويشدد الكيلاني على أن العدالة لا تقوم على النسيان، وأن الجرائم الجسيمة لا تُطوى بمرور الزمن. فوفق المبادئ المستقرة في القانون الدولي، لا تسقط جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالتقادم، كما يبقى حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة والمطالبة بالمحاسبة قائماً مهما طال الوقت. كذلك تستمر المسؤولية القانونية بحق كل من أمر أو نفذ أو ساهم أو تستر على هذه الجرائم.

 

وتكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في الحالة السورية، حيث لا تزال مصائر عشرات آلاف الضحايا والمختفين قسراً مجهولة حتى اليوم. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية، ما تزال آلاف العائلات تنتظر إجابات عن أسئلة جوهرية تتعلق بمصير أبنائها، وأماكن وجودهم أو دفنهم، والجهات المسؤولة عما تعرضوا له.

كما كشفت سنوات النزاع عن نمط واسع من الانتهاكات لم يقتصر على استهداف أفراد بعينهم، بل امتد إلى أسرهم وأقاربهم ومجتمعاتهم المحلية. فقد تعرضت عائلات بأكملها للاعتقال أو الإخفاء أو القتل، بينما شهدت مدن وبلدات ومناطق كاملة حملات حصار وتجويع وقصف وتهجير وتدمير ممنهج، في نهج تجاوز ملاحقة الأفراد إلى معاقبة بيئات اجتماعية كاملة.

 

ومن منظور قانوني وحقوقي، يوضح الكيلاني أن هذا النمط من الممارسات يمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ المسؤولية الفردية، الذي يعد إحدى الركائز الأساسية للعدالة. فلا يجوز تحميل أي شخص مسؤولية أفعال أو مواقف أقاربه، كما لا يجوز استهداف المدنيين بسبب صلات القرابة أو الانتماءات الاجتماعية أو الخلفيات السياسية الحقيقية أو المفترضة. ولهذا يُعد العقاب الجماعي من الممارسات المحظورة صراحة بموجب القانون الدولي الإنساني.

 

وتشير الوقائع المتراكمة خلال سنوات الثورة إلى أن جانباً كبيراً من هذه الانتهاكات لم يكن موجهاً ضد أشخاص محددين فحسب، بل استهدف بصورة منهجية الفئات المعارضة أو المشتبه بمعارضتها للسلطة. ولم تقتصر الملاحقات على الناشطين أو المطلوبين أمنياً، بل امتدت لتشمل الزوجات والأطفال والأقارب، بل وحتى مجتمعات محلية بأكملها صُنفت على أنها حاضنة للمعارضة.

ويعكس ذلك توجهاً قائماً على استهداف البيئة الاجتماعية للخصوم وإرهابها، انطلاقاً من الاعتقاد بأن تفكيك الحاضنة المجتمعية وإخضاعها يمكن أن يؤدي إلى إخماد أي حراك معارض والقضاء على مقومات استمراره.

وفي هذا الإطار، تكتسب قضية رانيا العباسي وعائلتها بعداً يتجاوز حدود المأساة الفردية، لتتحول إلى رمز لمعاناة آلاف الأسر السورية التي لا تزال تبحث عن الحقيقة.

فالكشف عن مصير العائلة ومحاسبة المسؤولين عن اختفائها لا يمثل إنصافاً لذويها فحسب، بل يشكل اختباراً حقيقياً لجدية أي مسار للعدالة الانتقالية في سوريا، ورسالة بأن حقوق الضحايا لا يمكن أن تكون موضع مساومة أو تجاوز مهما طال الزمن.