في مشهد أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في سوريا، عُثر أمس على رفاة عدد من الشهداء والمغيبين قسراً في محيط مدينة قارة بمنطقة القلمون بريف دمشق، بعد أن كشفت السيول الناجمة عن الأمطار أجزاءً من موقع يُعتقد أنه يضم مقبرة جماعية تعود إلى سنوات الصراع.
وقال الإعلامي خالد الشوم، وهو من أبناء بلدة عسال الورد، في حديث خاص لـ”سوريا 24”، إن السيول التي شهدتها المنطقة مؤخراً أدت إلى ظهور عدة جثامين مدفونة على أطراف مدينة قارة، إضافة إلى بقايا بشرية وجثث متفرقة في مناطق مجاورة لمجرى السيل، ما أثار صدمة واسعة بين الأهالي وأعاد إلى الأذهان مصير عشرات المفقودين الذين انقطعت أخبارهم منذ سنوات.
وأوضح الشوم أن المؤشرات الأولية ترجح أن الموقع كان يُستخدم لدفن الجثامين بصورة جماعية خلال سنوات الحرب، لافتاً إلى أن المياه جرفت أجزاءً من التربة وكشفت أكياساً مخصصة لحفظ الجثث، الأمر الذي دفع المزارعين والعاملين في الأراضي المحيطة إلى إبلاغ الجهات المعنية بعد ملاحظتهم وجود بقايا بشرية في المكان.
وأضاف أن إحدى أولى حالات التعرف التي جرى تداولها كانت للشهيد محمد محمود خلوف، المعروف في بلدته باسم “محمد زهوة” (أبو يعرب)، حيث تعرف أفراد من عائلته وأبناء بلدته على ملابسه التي كان يرتديها يوم مقتله في السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 2014 خلال المعارك التي دارت في منطقة الكافات بوادي الصهريج في جرود عسال الورد.
وبحسب الشوم، فإن تلك المعارك شهدت سقوط عدد من المقاتلين، فيما تحدثت روايات متداولة منذ سنوات عن نقل جثامين بعض الشهداء من مواقع الاشتباكات إلى محيط مدينة قارة، التي كانت آنذاك خاضعة لسيطرة قوات النظام السوري ومجموعات حليفة له.
وأشار إلى أن العدد الحقيقي للرفاة التي تم العثور عليها لا يزال غير معروف حتى الآن، خاصة أن السيول جرفت أجزاءً من البقايا البشرية إلى أماكن متفرقة، ما يصعب عملية الحصر الأولية. وأضاف أن اكتشاف الموقع دفع العديد من عائلات المفقودين والشهداء إلى التوجه نحو المنطقة أملاً في الحصول على أي معلومات تتعلق بمصير أبنائهم.
وأكد الشوم أن لجنة مختصة وصلت إلى الموقع وبدأت بجمع الرفاة والبقايا البشرية تمهيداً لإخضاعها لفحوص الحمض النووي (DNA)، بهدف تحديد هويات أصحابها بصورة دقيقة قبل تسليمهم إلى ذويهم وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
ولفت إلى أن أعمال البحث لا تزال مستمرة في أكثر من موقع ضمن محيط مدينة قارة، وسط توقعات بإمكانية العثور على مواقع دفن أخرى، خصوصاً في ظل وجود شهادات ومعلومات متداولة منذ سنوات عن دفن عدد من الضحايا في المنطقة خلال فترة المعارك التي شهدها القلمون.
وعن الشهيد محمد محمود خلوف، قال الشوم إنه كان من أوائل المشاركين في الحراك الثوري بمنطقة القلمون، وانضم مبكراً إلى التشكيل الذي أسسه النقيب فراس البيطار، كما عُرف بين أبناء بلدته بروحه المرحة ومعرفته الدقيقة بتضاريس جرود عسال الورد بحكم عمله وحياته في المنطقة.
وختم الشوم حديثه بالتأكيد على أن العثور على هذه الرفاة، رغم ما يحمله من ألم واستعادة لذكريات قاسية، يمثل بارقة أمل لعشرات العائلات التي ما تزال تبحث عن مصير أبنائها منذ أكثر من عقد. وأضاف أن كشف المقابر الجماعية وتحديد هويات الضحايا يشكلان خطوة أساسية نحو معرفة الحقيقة وإنصاف الضحايا وذويهم، في ملف لا يزال يُعد من أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً في سوريا حتى اليوم.