أدى ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات إلى خروج نحو 62 محطة مياه عن الخدمة في مختلف أنحاء محافظة دير الزور، في واحدة من أكبر الأزمات التي تواجه قطاع المياه في المنطقة منذ سنوات، وفق ما أكده مدير شركة المياه والصرف الصحي في دير الزور، موسى الأحمد.
وقال الأحمد لموقع سوريا 24 إن الفرق الفنية تمكنت حتى الآن من إعادة تشغيل عشر محطات، فيما خرجت خمس محطات إضافية عن الخدمة في منطقة الجزيرة شرقي المحافظة خلال الأيام الأخيرة نتيجة استمرار ارتفاع المياه ووصولها إلى مواقع الضخ.
يعتمد سكان محافظة دير الزور على محطات المياه المرتبطة مباشرة بنهر الفرات لتأمين احتياجاتهم اليومية، ما يجعل خروج معظمها عن الخدمة يهدد الاستقرار الخدمي والصحي في مناطق واسعة من الريف والمدينة.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب موجة فيضانات غير مسبوقة شهدها حوض نهر الفرات خلال الأيام الماضية، بعدما ارتفع منسوب النهر بصورة ملحوظة نتيجة زيادة الواردات المائية القادمة من تركيا.
وبالنسبة لكثير من السكان، بدا المشهد استثنائياً؛ فبعد سنوات طويلة من الجفاف وتراجع منسوب الفرات إلى مستويات أثرت على الزراعة وإنتاج الكهرباء ومياه الشرب، عاد النهر هذه المرة ليشكل تهديداً من نوع مختلف يتمثل في الفيضانات التي اجتاحت ضفافه ومناطقه المنخفضة.
ولم تقتصر آثار الفيضانات على محطات الضخ الصغيرة المنتشرة على طول النهر، بل امتدت إلى محطة الفرات العملاقة، التي تعد المصدر الرئيسي لتغذية مدينة دير الزور بمياه الشرب.
ووفقاً لمسؤول المياه في المحافظة، فإن المحطة الرئيسية تأثرت بنسبة تقارب 25% نتيجة ارتفاع المياه، مشيراً إلى أن فرق المؤسسة تواصل أعمال الحماية والصيانة للحفاظ على قدرتها التشغيلية ومنع خروجها الكامل من الخدمة.
وأوضح أن المؤسسة نفذت سلسلة من الإجراءات الوقائية شملت إنشاء سواتر ترابية حول المحطات المهددة، وسحب مجموعات الضخ والمحركات واللوحات الكهربائية من المواقع الأكثر عرضة للغمر، بهدف تقليل الأضرار وحماية التجهيزات الأساسية.
كما أعدت المؤسسة خطة طوارئ بديلة تحسباً لأي تطور قد يؤثر على عمل محطة الفرات العملاقة، تتضمن تزويد مدينة دير الزور بالمياه من جهة الشامية، مع تقسيم المدينة إلى قطاعات وتطبيق برنامج توزيع منظم للمياه، إضافة إلى إنشاء نقاط لتأمين مياه الشرب والاستعانة بصهاريج تخضع للفحوص المخبرية والرقابة الصحية.
لكن الصورة الحقيقية لحجم الفيضانات لا تظهر فقط في أرقام محطات المياه المتوقفة، بل في المشاهد اليومية التي تعيشها البلدات الواقعة على ضفاف الفرات، حيث غمرت المياه أراضي زراعية ومرافق خدمية وممتلكات خاصة خلال فترة زمنية قصيرة.
وتعد مدينة هجين، الواقعة على الضفة الشرقية للنهر جنوبي دير الزور، من بين أكثر المناطق تأثراً خلال الأيام الماضية، فالمدينة التي يعتمد قسم كبير من سكانها على الزراعة وتربية المواشي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع ارتفاع المياه، ما دفع السلطات المحلية إلى إطلاق إجراءات طارئة للحد من الخسائر.
وقال رئيس مجلس بلدية هجين، سلامة الشيخ، لموقع سوريا 24 إن البلدية بدأت منذ الأيام الأولى لارتفاع المنسوب باتخاذ إجراءات احترازية شملت توجيه الحصادات والآليات الزراعية إلى الأراضي المهددة بالغمر، بهدف تسريع عمليات الحصاد وإنقاذ أكبر مساحة ممكنة من المحاصيل قبل وصول المياه إليها.
وأشار إلى إطلاقهم تحذيرات وإنذارات مبكرة عبر منصات التواصل الاجتماعي قبل نحو عشرة أيام من بدء الفيضانات، داعياً الأهالي إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة وإبعاد المعدات الزراعية والممتلكات عن المناطق المنخفضة، إلا أن حجم المياه وسرعة ارتفاعها تجاوزا توقعات كثير من السكان.
وأوضح الشيخ أن الأضرار طالت عدداً من محطات المياه والجمعيات الفلاحية التي خرج معظمها عن الخدمة نتيجة ارتفاع المنسوب، فيما واصلت فرق البلدية إنشاء سواتر ترابية حول المرافق الحيوية ومتابعة الأضرار ميدانياً.
وأشار إلى أن محطة أبو الحسن كانت من بين أكثر المواقع تعرضاً للخطر بسبب انخفاض موقعها مقارنة بالمناطق المحيطة. ووفقاً له، أنشأت البلدية ساتراً ترابياً بارتفاع يقارب متراً ونصف المتر لحماية المحطة، إلا أن المياه تسربت من أسفل الساتر بفعل الضغط الكبير واستمرار ارتفاع المنسوب.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن هناك تحديات كبيرة تواجهها البلديات في المحافظة، حيث تعاني المؤسسات المحلية من نقص الإمكانات والآليات الثقيلة اللازمة للتعامل مع كوارث بهذا الحجم.
وبيّن الشيخ أن البلدية اضطرت إلى استئجار معدات إضافية لمواصلة أعمال الاستجابة في مدينة هجين والمناطق المحيطة بها، مؤكداً استمرار التنسيق مع محافظة دير الزور لمتابعة تداعيات الأزمة والحد من توسع الأضرار.
ووفق البيانات الأولية الصادرة عن البلدية، بلغ عدد العائلات المتضررة حتى يوم أمس نحو 425 عائلة، فيما تعرض عشرة منازل لأضرار كلية أو جزئية، إضافة إلى تضرر نحو 7080 دونماً من الأراضي الزراعية.
وتشسير بيانات صادرة عن خلية إدارة الأزمة في المحافظة إلى تداعيات اقتصادية محتملة على المجتمعات الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة.
فخسارة آلاف الدونمات في موسم واحد قد تنعكس على دخل المزارعين وإنتاج المحاصيل خلال الأشهر المقبلة، في منطقة لا تزال تحاول التعافي من آثار سنوات طويلة من الحرب والتراجع الاقتصادي.
ورغم أن المؤشرات الأخيرة تظهر بدء انخفاض منسوب مياه الفرات في القسم الغربي من محافظة دير الزور بنحو ثلاثين سنتيمتراً، فإن المناطق الشرقية لا تزال تشهد ارتفاعاً نسبياً في مستوى المياه، وسط استمرار أعمال المراقبة والاستجابة من قبل فرق الطوارئ.
وبينما يترقب السكان انحسار المياه وعودة النهر إلى مستوياته الطبيعية، تطرح الفيضانات الحالية أسئلة أوسع حول قدرة البنية التحتية في وادي الفرات على مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
فالنهر الذي ارتبط في السنوات الأخيرة بأزمات الجفاف ونقص المياه، بات اليوم مصدراً لنوع مختلف من التحديات، يختبر جاهزية المؤسسات المحلية وقدرتها على حماية السكان والخدمات الأساسية في واحدة من أكثر المناطق اعتماداً عليه في سوريا.
