بعد أيام من ارتفاع منسوب نهر الفرات وما رافقه من فيضانات اجتاحت مناطق واسعة على ضفتيه، بدأت المياه بالتراجع تدريجيا في محافظة الرقة، كاشفة عن أضرار متفاوتة طالت مساكن السكان وأراضيهم الزراعية ومصادر رزقهم، فيما تواصل الجهات المحلية والمنظمات الإنسانية تقييم الخسائر والاستجابة للاحتياجات العاجلة.
في عدد من القرى والمناطق المنخفضة، ما تزال آثار المياه واضحة على المنازل والحقول والمنشآت الخدمية، بينما يجد مئات السكان أنفسهم أمام تحدي العودة إلى حياتهم الطبيعية، بعد أن أجبرتهم الفيضانات على مغادرة منازلهم أو مواجهة خسائر كبيرة في ممتلكاتهم.
وتوضح وداد رحال، رئيسة دائرة الخدمات في الرقة، أن الفرق الميدانية باشرت منذ الأيام الأولى للفيضانات تنفيذ عمليات مسح وتقييم للمناطق والأسر المتضررة، بالتوازي مع توزيع مساعدات غذائية وتقديم استجابات إغاثية أولية في المناطق الأكثر تضررا.
وتشير إلى أن حجم الأضرار في محافظة الرقة بقي أقل من تلك التي شهدتها محافظة دير الزور، إلا أن عددا من المناطق تعرض لخسائر كبيرة، من بينها المخيم اليوناني، وحويجة السوافي، وكدرو الأحبش. ولم تقتصر الأضرار على المساكن فحسب، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية ومحطات ضخ المياه وأحواض تربية الأسماك وبعض المنشآت الإنتاجية، بما في ذلك معمل للزيت.
كما تعرضت منازل عديدة لأضرار متفاوتة تراوحت بين التدمير الجزئي والكلي، الأمر الذي دفع عددا من الأسر إلى اللجوء إلى منازل أقاربها أو الانتقال إلى مناطق أخرى أكثر أمنا. وتؤكد رحال أن استمرار تجمع المياه في أجزاء من المناطق المتضررة ما يزال يعرقل وصول فرق التقييم والإغاثة إلى جميع الأسر المحتاجة، خصوصا أن بعض العائلات نزحت إلى أماكن متفرقة يصعب حصرها والوصول إليها في الوقت الراهن.
وفي ظل هذه الظروف، تتصدر الاحتياجات الإنسانية الأساسية قائمة الأولويات. فبحسب رحال، يحتاج المتضررون بصورة عاجلة إلى مياه شرب آمنة وخيام بديلة للأسر التي فقدت مساكنها المؤقتة أو غرقت خيامها، إلى جانب المواد الغذائية والأدوية وسلال الكرامة الضرورية لضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وعلى الرغم من المشهد الإنساني الصعب، حملت التطورات الأخيرة مؤشرات إيجابية على الصعيدين البيئي والمائي. فوفقا للمهندس حسين العيد، رئيس دائرة التحليل والتعقيم في المؤسسة العامة لمياه الشرب بالرقة، أظهرت التحاليل المخبرية والجولات الميدانية التي أجريت بعد الفيضان تحسنا ملحوظا في نوعية مياه نهر الفرات.
ويقول العيد إن ارتفاع منسوب المياه ساهم في تحسين عدد من المؤشرات الفيزيائية والكيميائية للمياه، موضحا أن نسب الأملاح والناقلية الكهربائية والحمل الجرثومي سجلت انخفاضا واضحا خلال الفترة الماضية. ويضيف أن قيمة الناقلية الكهربائية تراجعت من 700 إلى 450، وهي نتائج تعكس تحسنا ملموسا في جودة المياه، وتبعث على التفاؤل بشأن استقرار الوضع المائي خلال المرحلة المقبلة.
وفي موازاة ذلك، تواصل إدارة سد الفرات تنفيذ إجراءاتها الفنية لمراقبة تدفق المياه والتحكم بالمناسيب. وأفاد مراسل «سوريا 24» بأن إدارة السد أغلقت اليوم بوابة المفيض رقم 5 ضمن خطة تنظيم التصريف المائي، في حين أبقت على فتح بوابتي المفيض رقم 3 ورقم 6 لضمان استمرار مرور المياه بصورة متوازنة وآمنة.
وتؤكد إدارة السد أن فرقها الفنية تتابع بشكل متواصل تطورات الوضع المائي ومعدلات التدفق الواردة إلى البحيرة، بهدف الحفاظ على استقرار المناسيب ومنع حدوث أي مخاطر أو أضرار إضافية قد تطال المناطق الواقعة على امتداد مجرى النهر.
ومع انحسار المياه تدريجيا، تتجه الأنظار إلى المرحلة التالية التي لا تقل أهمية عن الاستجابة الطارئة، وهي مرحلة التعافي وإعادة التأهيل. وتعمل الجهات المحلية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية والجمعيات الأهلية، على إعداد قواعد بيانات للمتضررين وتحديد أولويات التدخل، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إطلاق مشاريع بنية تحتية وتنموية قادرة على الحد من آثار الفيضانات مستقبلا وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة الكوارث الطبيعية المتكررة.
وبينما تستعيد ضفاف الفرات هدوءها تدريجيا، تبقى آثار الأيام الماضية حاضرة في ذاكرة السكان الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة اختبار قاس فرضته الطبيعة، وذكرهم بهشاشة البنية الخدمية والحاجة الملحة إلى استثمارات طويلة الأمد في إدارة المياه وحمايتها من كوارث لاحقة.

