صناعة إدلب بين التعافي والتحديات… 1900 منشأة تبحث عن بيئة أكثر استقراراً

حجم الخط

بعد سنوات من الحرب والتراجع الاقتصادي، يشهد القطاع الصناعي في محافظة إدلب مؤشرات تعافٍ تدريجي، مدفوعاً بإعادة تشغيل عدد من المنشآت الصناعية وتوسع بعض الاستثمارات المحلية في الصناعات الخفيفة والغذائية. غير أن هذا التعافي ما يزال يصطدم بجملة من التحديات المرتبطة بالطاقة والتمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة المتزايدة من المنتجات المستوردة.

ويقول أحمد القاسم، مدير صناعة إدلب، إن القطاع الصناعي انتقل خلال السنوات الأخيرة من مرحلة التوقف شبه الكامل إلى مرحلة إعادة التشغيل التدريجي والتوسع المحدود، مستفيداً من جهود الصناعيين المحليين وازدياد الطلب في الأسواق المحلية.

وبحسب القاسم، يضم القطاع الصناعي في المحافظة نحو 1900 منشأة صناعية تتنوع بين الورش الصغيرة والمعامل المتوسطة والكبيرة، وتوفر ما يقارب 168 ألفاً و400 فرصة عمل مباشرة، فضلاً عن آلاف فرص العمل غير المباشرة المرتبطة بقطاعات النقل والتوزيع والخدمات.

ويشير إلى أن الصناعات الغذائية، والصناعات الزراعية التحويلية، والمنتجات البلاستيكية، والمنسوجات البسيطة، تعد من أكثر القطاعات نمواً خلال الفترة الحالية، في حين ما تزال الصناعات الهندسية والكيميائية والصناعات المعتمدة على استيراد المواد الأولية تواجه صعوبات كبيرة نتيجة ارتفاع التكاليف وتقلبات الأسواق.

وتبقى الطاقة في مقدمة التحديات التي تواجه الصناعيين في إدلب، وفق القاسم، إلى جانب محدودية التمويل وصعوبة الوصول إلى الاستثمارات المؤسسية، فضلاً عن تقلب أسعار المواد الأولية ومحدودية المناطق الصناعية المنظمة، وانعكاسات تقلبات سعر الصرف على تكاليف الإنتاج.

كما تأثر القطاع الصناعي بحركة الاستيراد خلال السنوات الماضية، إذ أدى دخول منتجات مستوردة بأسعار منخفضة إلى زيادة المنافسة أمام المنتج المحلي، بينما ساهم الاستيراد في الوقت نفسه بتأمين جزء من المواد الأولية اللازمة للإنتاج. ويرى القاسم أن المرحلة الحالية تتطلب تحقيق توازن بين حماية الصناعة المحلية وضمان توفر مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة.

وشهدت المحافظة خلال الفترة الأخيرة دخول عدد من الاستثمارات الصناعية الجديدة، خاصة في القطاعات الخفيفة والغذائية، إضافة إلى عودة محدودة لرؤوس أموال سورية من الخارج نحو مشاريع صغيرة ومتوسطة، إلا أن حجم هذه الاستثمارات ما يزال دون مستوى الطموحات المطلوبة لإحداث نقلة نوعية في القطاع.

وفي ما يتعلق بالتصدير، يوضح القاسم أن عدداً من المنتجات الغذائية والزراعية وبعض الصناعات الخفيفة يجد طريقه إلى الأسواق الخارجية، ولا سيما السوق التركية، إضافة إلى أسواق عربية محدودة بشكل غير مباشر. غير أن النشاط التصديري ما يزال يواجه تحديات تتعلق بالنقل واللوجستيات ومتطلبات الجودة والمعايير الفنية.

ويطالب الصناعيون، بحسب القاسم، بحزمة من الإجراءات الداعمة تشمل تخفيض تكاليف الطاقة والكهرباء، وتقديم تسهيلات ضريبية ورسوم مخفضة، ودعم استيراد المواد الأولية، وإنشاء صناديق تمويل متخصصة بالصناعة، فضلاً عن اتخاذ إجراءات لحماية المنتج المحلي من المنافسة غير المتكافئة.

وفي موازاة ذلك، تعمل الجهات المعنية على تطوير المناطق الصناعية القائمة ودراسة إنشاء مناطق صناعية منظمة جديدة، بهدف تجميع المنشآت الصناعية وتحسين الخدمات الأساسية وجذب الاستثمارات، إلا أن تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى موارد مالية واستثمارات إضافية.

ويرى مدير صناعة إدلب أن السنوات الخمس المقبلة قد تحمل فرصاً واعدة للقطاع إذا توفرت الظروف الاقتصادية المناسبة، مشيراً إلى إمكانية تحقيق نمو ملحوظ في الصناعات الخفيفة والمتوسطة وتوسيع الصناعات الغذائية والزراعية وزيادة الصادرات. لكنه يؤكد أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطاً بتحسين البيئة الاقتصادية واستقرار مصادر الطاقة وجذب المزيد من الاستثمارات.

وبين مؤشرات التعافي والتحديات المستمرة، تبدو صناعة إدلب اليوم أمام مرحلة مفصلية؛ فالمحافظة التي تمكنت من إعادة تشغيل جزء كبير من منشآتها الصناعية، تسعى إلى تحويل هذا النشاط من مرحلة البقاء والاستمرار إلى مرحلة النمو والتوسع، في انتظار بيئة اقتصادية أكثر استقراراً تسمح للقطاع بأن يلعب دوراً أكبر في الاقتصاد المحلي السوري.