اعتصام دير الزور يدخل يومه الثالث.. لا لإعادة تدوير “الشبيحة”

حجم الخط

في اليوم الثالث من الاعتصام المفتوح وسط مدينة دير الزور، لا تزال ساحة الاحتجاج تعكس حالة من التوتر المتصاعد بين مطالب محلية تتعلق بالعدالة الانتقالية ومحاسبة شخصيات ارتبطت بالنظام السابق، وبين مسار تسويات ومصالحات تسعى السلطات من خلاله إلى احتواء الانقسامات التي خلفتها سنوات الحرب.

وبينما يرفع المعتصمون شعارات تدعو إلى إنهاء ما يصفونه بإعادة تدوير رموز التشبيح والميليشيات الموالية للنظام السابق، لم تُسجل حتى الآن أي لقاءات أو تواصل مباشر بين السلطات السورية والمحتجين، الأمر الذي يثير مخاوف من اتساع دائرة المطالب خلال الأيام المقبلة.

وجاء الاعتصام في أعقاب حالة من الجدل أثارها ظهور عبد الرزاق الجربوع في مشهد متداول على نطاق واسع داخل المحافظة، وهي الحادثة التي اعتبرها كثير من الناشطين والمحتجين الشرارة الأخيرة التي فجّرت حالة احتقان كانت تتراكم منذ أشهر.

إلا أن أسباب الاعتصام، وفق المشاركين فيه، تتجاوز هذه الواقعة لتشمل ملفاً أوسع يتعلق بعودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إلى المجال العام.

ويرى الناشط أنس فتيح، المشارك في الاعتصام، أن ما يجري اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة بدأت مع مشاهد متكررة لعودة شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى الواجهة الاجتماعية والسياسية في المحافظة، سواء من خلال الاستقبالات العشائرية أو الظهور في مناسبات عامة ولقاءات رسمية أو استمرار بعض الشخصيات في مواقع إدارية وخدمية مؤثرة.

ويشير فتيح إلى أن أبناء دير الزور أظهروا خلال الأشهر الماضية قدراً كبيراً من ضبط النفس رغم حساسية هذه الملفات، انطلاقاً من قناعة بأن الدولة ستتعامل معها عبر الأطر القانونية والمؤسساتية.

إلا أن استمرار هذه المشاهد، بحسب تعبيره، دفع شريحة من أبناء المحافظة إلى الاعتقاد بأن ملف العدالة الانتقالية لم يحظَ بالأولوية المطلوبة.

وتحضر في خلفية هذا الجدل أسماء بارزة ارتبطت خلال سنوات الحرب بالنظام السابق وشبكات النفوذ المدعومة من إيران في شرق سوريا.

فمنذ عودته إلى المحافظة أثار نواف البشير، الذي ارتبط اسمه بتشكيلات عشائرية موالية لإيران وبعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني خلال سنوات النزاع، موجة من الاعتراضات بين أوساط محلية اعتبرت استقباله العلني رسالة سلبية لضحايا الحرب.

كما يبرز اسم مدلول العزيز، أحد أبرز الشخصيات السياسية والعشائرية التي حافظت على حضورها خلال سنوات الصراع، والذي يرى منتقدوه أنه يمثل جزءاً من البنية الاجتماعية والسياسية التي استند إليها النظام السابق في المحافظة.

ويعتبر المحتجون أن عودة هذه الشخصيات إلى المشهد العام دون نقاش واسع حول أدوارها السابقة تثير أسئلة جوهرية حول حدود المصالحة والعدالة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه السلطات السورية العمل على ملفات السلم الأهلي والتسويات المجتمعية والعشائرية في عدد من المحافظات، بما فيها حلب وشرق سوريا، في إطار جهود تهدف إلى منع تجدد الصراعات المحلية وإعادة دمج الفاعلين الاجتماعيين والعشائريين في الحياة العامة.

غير أن منتقدي هذا المسار يرون أن بعض هذه التسويات قد تتحول إلى بوابة لعودة شخصيات لعبت أدواراً مؤثرة إلى جانب النظام السابق، من دون المرور بمسارات واضحة للمساءلة أو العدالة الانتقالية.

ويؤكد فتيح أن المطلب الأساسي للاعتصام يتمثل في وضع حد لما يصفه المحتجون بـ”الحالة التشبيحية والاستعراضية” داخل المحافظة، مشيراً إلى أن استمرار تجاهل مطالب المعتصمين قد يدفع إلى توسيع سقف المطالب ليشمل قضايا خدمية ومعيشية أخرى، من بينها إعادة الموظفين المفصولين بسبب مواقفهم المؤيدة للثورة، وتسريع مشاريع إعادة الإعمار وتحسين الخدمات العامة.

في مدينة لا تزال تحمل آثار الحصار والدمار والنزوح، يبدو الاعتصام الحالي أكثر من مجرد احتجاج على حادثة أو شخصية بعينها.

إنه تعبير عن نقاش أوسع يدور في دير الزور حول شكل المرحلة المقبلة، وحدود المصالحة، وكيفية التوفيق بين ضرورات الاستقرار والسلم الأهلي من جهة، ومطالب العدالة والمحاسبة التي لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة السكان من جهة أخرى.