في عدد من أحياء المخالفات والمناطق المتضررة بمدينة حمص، ولا سيما في الخالدية والبياضة ودير بعلبة والشماس وبابا عمرو، تحولت أكوام النفايات المتراكمة على جوانب الطرقات وعند مداخل الأبنية السكنية إلى مشهد يومي يثير استياء السكان، الذين يشكون من تراجع مستوى خدمات النظافة وما يرافقه من روائح كريهة وانتشار للحشرات ومظاهر تلوث تؤثر على جودة الحياة داخل أحيائهم.
ويقول السكان إن المشكلة لم تعد تقتصر على المظهر العام للشوارع، بل باتت تمس تفاصيل حياتهم اليومية، في ظل تراكم القمامة في بعض النقاط لفترات طويلة، خاصة في الأحياء التي تعاني أساساً من ضعف الخدمات والبنية التحتية، أو تلك التي ما تزال تتعافى من آثار الدمار الذي خلفته سنوات الحرب.
الوعي المجتمعي جزء من الحل
بالنسبة لعبد الكريم حمود، لا يمكن النظر إلى أزمة النفايات بوصفها مسؤولية البلدية وحدها. فهو يرى أن جزءاً من المشكلة يرتبط بسلوكيات بعض المواطنين، معتبراً أن النظافة تبدأ من المجتمع قبل المؤسسات الخدمية.
ويشير خلال حديثه لموقع سوريا 24 إلى أن رمي النفايات بشكل عشوائي وعدم الالتزام بالأوقات المخصصة للتخلص منها يفاقمان الأزمة ويحدان من فعالية جهود عمال النظافة، مهما بلغت الإمكانات المتاحة.
ويضيف أن رفع مستوى الوعي المجتمعي يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة المشكلة، إلى جانب تنظيم عملية جمع النفايات وتحديد مواقع واضحة للحاويات وتطبيق إجراءات رادعة بحق المخالفين.
وفي الوقت نفسه، يطالب حمود بزيادة أعداد الحاويات وتحسين توزيعها ووضع خطة أكثر فاعلية لجمع النفايات ومراقبة تنفيذها بشكل مستمر، معتبراً أن نجاح أي سياسة للنظافة يتطلب إدارة خدمية منظمة ورقابة دائمة.
مطالب بتحسين الخدمات وتكثيف الترحيل
من جهته، يرى محمد عويش خلال حديثه لموقع سوريا 24 أن واقع النظافة الحالي يعكس مسؤولية مشتركة بين السكان والجهات الخدمية، مؤكداً أن تحسين مستوى الخدمات يتطلب التزاماً فعلياً من البلدية ببرامج العمل المعلنة ومتابعة تنفيذها ميدانياً.
ويشير إلى أن زيادة أعداد الحاويات وتكثيف عمليات ترحيل النفايات ومراقبة أداء فرق النظافة بشكل دوري من الخطوات الأساسية لمعالجة المشكلة.
ويقول إن كثيراً من المشكلات المرتبطة بالنفايات يمكن الحد منها من خلال إدارة أكثر فاعلية ومتابعة ميدانية مستمرة تضمن وصول الخدمات إلى مختلف الأحياء بصورة متوازنة.
تفاوت في الخدمات بين الأحياء
أما علي عويش، فيربط أزمة النفايات بالتفاوت في مستوى الخدمات بين أحياء المدينة، معتبراً أن بعض أحياء المخالفات والمناطق المتضررة، مثل دير بعلبة والبياضة وبابا عمرو، لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أحياء أخرى داخل المدينة.
ويقول إن تراكم النفايات يضيف أعباء جديدة على سكان هذه المناطق الذين يواجهون أصلاً تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما يتحدث عن شكاوى متكررة تتعلق بأداء بعض العاملين في قطاع النظافة، موضحاً أن بعضهم ينشغل بجمع المواد القابلة للتدوير أو البيع بدلاً من إزالة النفايات المتراكمة بشكل كامل، وهو ما ينعكس، بحسب رأيه، على جودة الخدمة المقدمة للأهالي.
ويؤكد سكان في الخالدية والشماس والبياضة أن تحسن واقع النظافة لا يزال دون مستوى الاحتياجات الفعلية، مطالبين بزيادة عدد الحاويات وتحسين وتيرة الترحيل وتعزيز الرقابة على أداء فرق النظافة، خاصة في المناطق التي تشهد كثافة سكانية مرتفعة أو عودة متزايدة للسكان.
أرقام رسمية تكشف حجم التحديات
غير أن شكاوى السكان تتقاطع مع تحديات أوسع تواجه قطاع النظافة في المدينة. فبحسب تصريحات صحفية سابقة صادرة عن مديرية النظافة في مجلس مدينة حمص، ارتفعت كمية النفايات المنتجة يومياً من نحو 600 إلى 700 طن خلال السنوات التي أعقبت الحرب، لتصل حالياً إلى ما بين 1200 و1300 طن يومياً نتيجة عودة السكان واتساع النشاط الاقتصادي والتجاري.
وتشير المديرية إلى أن هذه الزيادة الكبيرة لم تترافق مع نمو مماثل في الإمكانات البشرية والفنية، إذ إن قسماً كبيراً من الآليات المستخدمة في جمع وترحيل النفايات يعود تاريخ تصنيعه إلى عام 2006، رغم أن العمر التشغيلي المفترض لهذه الآليات لا يتجاوز عشر سنوات.
كما تفيد البيانات الرسمية بأن نحو 60% من الحاويات المنتشرة في المدينة باتت بحالة متوسطة أو تحتاج إلى استبدال وصيانة، في وقت ما تزال فيه الحاجة قائمة لزيادة أعداد الحاويات وسلال المهملات في العديد من الأحياء.
وتظهر بيانات إدارة النفايات في محافظة حمص أن فرق النظافة تجمع يومياً ما بين 1200 و1500 طن من النفايات من أحياء المدينة، فيما يجري طمر ما بين 1300 و1800 طن من نفايات مدينة حمص والوحدات الإدارية المجاورة بشكل يومي، ما يعكس حجم الضغط الواقع على البنية الخدمية للقطاع.
نقص الإمكانات واستمرار الضغوط
ولا تقتصر التحديات على النفايات المنزلية فقط، إذ تشير الجهات المحلية في تصريحات سابقة إلى أن مخلفات الترميم والأنقاض الناتجة عن أعمال إعادة التأهيل ما تزال تشكل عبئاً إضافياً على ورشات النظافة، ولا سيما في أحياء مثل الخالدية وبابا عمرو ودير بعلبة التي شهدت خلال السنوات الماضية عمليات إعادة إعمار وعودة تدريجية للسكان.
وفي المقابل، تؤكد الجهات الخدمية استمرار حملات جمع وترحيل النفايات والاستجابة للشكاوى الواردة من مختلف الأحياء، مشيرة إلى أن محدودية الموارد والآليات مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، إلى جانب أهمية تعاون السكان والالتزام بالتعليمات الخاصة بالتخلص من النفايات.
أزمة تتجاوز القمامة
وبين شكاوى الأهالي من تراجع الخدمات وإقرار الجهات الرسمية بوجود ضغوط متزايدة على قطاع النظافة، تبدو أزمة النفايات في أحياء المخالفات انعكاساً لمعضلة أوسع تتعلق بإدارة الخدمات في مدينة ما تزال تواجه تحديات التعافي بعد سنوات طويلة من الحرب.
فالمسألة، بالنسبة إلى سكان الخالدية والبياضة ودير بعلبة والشماس وبابا عمرو، لا تتعلق فقط بإزالة أكوام القمامة من الشوارع، بل بقدرة المؤسسات المحلية على مواكبة عودة السكان وتحسين الخدمات الأساسية في أحياء ما تزال تحمل آثار سنوات من الدمار والإهمال.

