“العمل مستمر لزيادة عدد المدارس المؤهلة وصولاً إلى استكمال ترميم المدارس المتبقية”. بهذه العبارة يلخص جمال شحود، عضو المكتب التنفيذي في محافظة إدلب ومسؤول قطاع التربية والتعليم، حجم الجهود المبذولة لإعادة تأهيل القطاع التعليمي في المحافظة، مؤكداً في حديثه لـ”سوريا 24” أن عدد المدارس التي أُعيد افتتاحها بعد أعمال التأهيل والترميم بلغ نحو 550 مدرسة، فيما تتواصل الأعمال في مدارس أخرى، ولا سيما في المجمعات التربوية الواقعة ضمن المناطق المحررة حديثاً.
وتأتي هذه الجهود في سياق أحد أكبر التحديات التي تواجه قطاع التعليم في سوريا منذ اندلاع النزاع. فبحسب تقديرات وزارة التربية ومنظمات دولية، تعرض نحو 8 آلاف مدرسة في عموم البلاد لأضرار جزئية أو كلية أو خرجت من الخدمة خلال سنوات الحرب، فيما فقد ملايين الطلاب إمكانية الوصول المنتظم إلى التعليم نتيجة تدمير المدارس أو استخدامها كمراكز إيواء أو خروجها عن الخدمة لأسباب أمنية وخدمية.
وفي محافظة إدلب، كان قطاع التعليم من أكثر القطاعات تأثراً، إذ أدت سنوات القصف المتكرر على المدن والبلدات والبنية التحتية المدنية إلى تضرر مئات المدارس بدرجات متفاوتة، بينما خرج عدد كبير منها عن الخدمة بشكل كامل، خاصة في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية مكثفة.
كما تحولت بعض المدارس خلال سنوات النزوح إلى مراكز لإيواء العائلات، الأمر الذي فاقم الضغوط على العملية التعليمية وأدى إلى ارتفاع معدلات الاكتظاظ في المدارس التي بقيت عاملة.
ومع عودة آلاف العائلات إلى مدنها وبلداتها بعد تراجع العمليات العسكرية، برزت الحاجة إلى إعادة تأهيل المدارس باعتبارها من أولى متطلبات الاستقرار المجتمعي. فإعادة فتح المدارس لا ترتبط فقط باستئناف العملية التعليمية، بل تشكل أيضاً مؤشراً على عودة الخدمات الأساسية واستقرار المجتمعات المحلية.
وقال شحود إن أعمال التأهيل تُنفذ بالتعاون مع المكاتب الهندسية والجهات الداعمة والمنظمات الإنسانية المختصة، ضمن خطة تهدف إلى إعادة العملية التعليمية إلى المناطق المتضررة وتحسين البيئة التعليمية للطلاب.
ومن بين المشاريع التي تعكس حجم هذه الجهود، تبرز مدرسة ذي قار في مدينة كفرنبل، التي أعادت منظمة “رحمة حول العالم” تأهيلها ضمن مشروع بلغت كلفته نحو 200 ألف دولار.
وتحمل المدرسة أهمية خاصة بالنسبة لمدينة كفرنبل، التي كانت من أبرز المدن التي شهدت حراكاً مدنياً واسعاً خلال سنوات الثورة السورية، قبل أن تتعرض مرافقها العامة والخدمية، بما فيها المؤسسات التعليمية، لأضرار كبيرة نتيجة القصف.
وبحسب غيث يوسف، مسؤول العلاقات في منظمة “رحمة حول العالم”، فإن مدرسة ذي قار تعرضت لدمار شبه كامل خلال سنوات الحرب، ما استدعى تنفيذ أعمال إعادة تأهيل شاملة استمرت نحو خمسة أشهر، تأثرت خلالها وتيرة العمل بالأحوال الجوية التي شهدتها المنطقة.
وأوضح يوسف أن المشروع لم يقتصر على ترميم المبنى فحسب، بل شمل إعادة تجهيز المدرسة بالكامل، من الأثاث المدرسي والسبورات والمقاعد والتجهيزات المكتبية، إلى أعمال الدهان والإنارة وتركيب الأبواب والنوافذ، إضافة إلى تأهيل الساحات والحدائق والواجهات والمرافق الخدمية المختلفة.
ومن المتوقع أن تخدم المدرسة أكثر من 600 طالب وطالبة، في وقت تشهد فيه كفرنبل عودة تدريجية للأهالي بعد سنوات من النزوح، ما يزيد الحاجة إلى مؤسسات تعليمية قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب.
وأشار يوسف إلى أن اختيار المدارس المستهدفة بالترميم يعتمد على عدة معايير، أبرزها حجم الأضرار التي لحقت بالمبنى، وعدد الطلاب المتوقع استفادتهم من المشروع، والكثافة السكانية للمنطقة، ومستويات عودة السكان إليها، بما يضمن تحقيق أكبر أثر ممكن للمشاريع التعليمية.
وأكد أن مدرسة ذي قار ليست المشروع الوحيد الذي تنفذه المنظمة في سوريا، موضحاً أن “رحمة حول العالم” شاركت في تأهيل أكثر من مدرسة في مناطق مختلفة، فيما يجري إعداد دراسات جديدة لمشاريع تعليمية إضافية تستهدف مدارس تحتاج إلى إعادة تأهيل وفق معايير فنية وتعليمية مرتفعة.
وبينما تتواصل جهود إعادة الإعمار في القطاع التعليمي، تبدو المدارس في إدلب أكثر من مجرد أبنية يجري ترميمها. فهي تمثل بالنسبة لآلاف العائلات العائدة نقطة انطلاق نحو استعادة الحياة الطبيعية، وخطوة أساسية في إعادة بناء مجتمع أنهكته سنوات الحرب والنزوح، ولا يزال يحاول ترميم ما خلفه الدمار في قطاع يُعد من أكثر القطاعات تأثيراً في مستقبل الأجيال القادمة.

