أسواق درعا المحطة… قلب تجاري ينتظر استعادة نبضه

حجم الخط

عند التجول اليوم في شوارع هنانو والقوتلي وسوق فراس وسط مدينة درعا، يصعب تخيل أن هذه المنطقة كانت قبل سنوات قليلة واحدة من أكثر الأماكن ازدحاماً في جنوب سوريا.

فالمحال المغلقة، والأبنية التي ما تزال تحمل آثار الحرب، والهدوء الذي يخيّم على أجزاء واسعة من السوق، تبدو بعيدة عن الصورة التي ارتبطت لعقود بهذا المركز التجاري الذي شكّل قلب درعا الاقتصادي والإداري.

لم تنشأ هذه الأسواق بوصفها أسواقاً أثرية أو تاريخية بالمعنى التقليدي، بل تطورت تدريجياً مع التوسع العمراني الذي شهدته درعا المحطة منذ ستينيات القرن الماضي.

ومع انتقال المؤسسات الحكومية إليها وازدياد النشاط التجاري، تحولت المنطقة الممتدة بين ثلاثة أحياء رئيسية في المدينة إلى مركز اقتصادي يستقطب سكان المحافظة وزوارها يومياً.

وعلى امتداد عقود، اشتهرت المنطقة بأسواق الذهب والصرافة والألبسة والعطور والأقمشة والمطاعم الشعبية، إلى جانب وجود مؤسسات حكومية رئيسية مثل السرايا وشعبة التجنيد والبلدية والمصرف التجاري ومديرية التربية.

وكانت الحركة التجارية في هذه الشوارع تتداخل مع الحركة الإدارية، ما جعلها واحدة من أكثر المناطق حيوية في المحافظة.

لكن هذه المكانة تعرضت لاهتزاز عميق خلال سنوات الحرب، فقد شهدت المنطقة إضرابات ومظاهرات وأحداثاً ميدانية متلاحقة، قبل أن تتحول إلى إحدى ساحات المواجهة التي طالتها أعمال القصف والاشتباكات، ما أدى إلى تضرر عدد كبير من الأبنية والمحال والبنية التحتية.

ورغم مرور سنوات على توقف المعارك، ما تزال آثار تلك المرحلة واضحة، فبينما عاد عدد من التجار إلى محالهم، ما تزال أجزاء واسعة من السوق تنتظر إعادة التأهيل واستعادة الحركة التجارية التي عُرفت بها سابقاً.

ويقول وائل، مستثمر في المنطقة التجارية في الحجاز، لموقع سوريا 24 إن الصورة ليست قاتمة كما تبدو للوهلة الأولى، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من السوق ما يزال قابلاً للاستثمار.

ويوضح أن نحو 80 في المئة من المحال الواقعة في شوارع هنانو والقوتلي وسوق فراس لا تحتاج إلى إعادة إعمار كاملة، بل إلى أعمال تنظيف وترميم محدودة تسمح بإعادة افتتاحها.

ويضيف أن كثيراً من أصحاب المحال يرغبون في العودة، لكنهم يترددون في استثمار أموالهم في ظل غياب الشعور بالأمان.

ويروي أن أحد التجار بدأ بالفعل بإدخال مواد وتجهيزات لإعادة تأهيل متجره، قبل أن يوقف أعمال الترميم خشية تعرض محتويات المحل للسرقة.

ولا تبدو هذه المخاوف معزولة عن الواقع الذي تعيشه المنطقة. فبحسب تقرير صادر عن مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، لا تزال أبنية عدة في شارعي هنانو والقوتلي مأهولة بالسكان رغم الأضرار الإنشائية التي لحقت بها خلال سنوات الحرب.

ويشير التقرير إلى أن المنطقة التي كانت تُعرف سابقاً بأنها القلب النابض لمدينة درعا ما تزال تحمل آثار الدمار على عدد من أبنيتها ومرافقها العامة، في وقت يحاول فيه السكان والتجار استعادة جزء من حياتهم الطبيعية.

ويقول عبد الله، وهو أحد أبناء المنطقة، لموقع سوريا 24 إن السوق “ما يزال غير مخدّم بالشكل المطلوب”، معتبراً أن مشكلة الأمن تبقى العقبة الأبرز أمام عودة النشاط التجاري.

ويضيف أن التجار والسكان يحتاجون إلى إنارة كافية للشوارع، ودوريات شرطة دائمة، ونقاط حراسة، وكاميرات مراقبة تسهم في تعزيز الشعور بالأمان وتشجع أصحاب المحال على العودة.

أما عمر، فيرى أن إعادة إحياء السوق تتطلب مقاربة أوسع من الجانب الأمني وحده.

ويشير خلال حديثه لموقع سوريا 24 إلى ضرورة إزالة مخلفات الحرب من الشوارع، وترميم الأرصفة المتضررة، وإعادة تأهيل شبكة الكهرباء وإنارة الشوارع والمحال التجارية، إضافة إلى إعادة تنظيم خطوط النقل العام بحيث تمر عبر المنطقة التجارية، بما يسمح باستعادة الحركة اليومية التي كانت تشكل أساس النشاط الاقتصادي في السوق.

كما يربط عمر بين تعافي السوق وعودة المؤسسات العامة التي لعبت دوراً محورياً في حياة المنطقة لعقود.

فإعادة تأهيل مبنى السرايا القديم وساحته، وإعادة شعبة التجنيد إلى مقرها السابق، تمثلان بالنسبة له خطوتين ضروريتين لإعادة تدفق المراجعين والموظفين إلى المنطقة، وبالتالي تنشيط الحركة التجارية المرتبطة بها.

وخلال الفترة الماضية، برزت بعض المؤشرات التي يعتبرها السكان مشجعة، من بينها إعادة افتتاح المصرف التجاري في شارع هنانو بعد سنوات من التوقف.

ويرى التجار أن هذه الخطوة أعادت جزءاً من الحركة إلى المنطقة، لكنها تبقى غير كافية ما لم تترافق مع إجراءات أوسع تشمل تحسين الخدمات وتعزيز الأمن وتشجيع الاستثمار.

لا تبدو معركة أسواق درعا اليوم معركة إعادة إعمار فقط، فالكثير من المحال ما تزال قائمة، والكثير من الأبنية لم تنهَر بالكامل.