خيبة على أغصان الكرز.. مزارعو رنكوس يواجهون أسوأ مواسمهم منذ سنوات

حجم الخط

لم يكن مشهد بساتين الكرز في رنكوس هذا العام يشبه ما اعتاده الأهالي في سنوات الخير، فمع حلول منتصف حزيران، الموعد الذي تنتظره مئات العائلات لبدء موسم القطاف، كان الإنتاج مخيباً للآمال.

أغصان شبه خالية من حبات الكرز بدل أن تكون مثقلة بالثمار الحمراء التي تشكل مصدر الرزق الرئيسي لكثير من الأسر، في موسم وصفه المزارعون بأنه من الأسوأ منذ سنوات طويلة، بعد أن التهمت الظروف المناخية معظم الإنتاج وأحبطت آمال الفلاحين الذين ينتظرون هذا الموسم من عام إلى آخر لسداد ديونهم وتأمين احتياجات أسرهم.

يبدأ موسم قطاف الكرز في منطقة القلمون عادةً منتصف شهر حزيران، ويستمر نحو شهر تبعاً لاختلاف المناطق والأصناف، إلا أن الإنتاج هذا العام سجل تراجعاً حاداً قدّره المزارعون بنحو 80 بالمئة مقارنة بالمواسم المعتادة، نتيجة موجات الصقيع والأمطار المتأخرة التي تزامنت مع فترة الإزهار.

أمطار الربيع أجهضت الإزهار

أكد المزارع أبو يامن عاشور من بلدة رنكوس أن الإنتاج لم يتجاوز 10 بالمئة من المعدلات الطبيعية في معظم البساتين، مشيراً إلى أن المشكلة طالت غالبية المزارعين في المنطقة.

ويقول عاشور: “موسم الكرز هذا العام لا يتجاوز 10 بالمئة من الإنتاج المعتاد. من خلال حديثي مع المزارعين، جميعهم تقريباً النسبة متقاربة. أثناء تفتح الأزهار هطلت أمطار أثرت على عملية العقد، ما أدى إلى تساقط نسبة كبيرة من الأزهار وعدم تشكل الثمار”.

وأضاف أن المزارعين يرجحون أن تكون الأمطار التي رافقت مرحلة الإزهار السبب الرئيسي للخسارة، موضحاً أن محصول التفاح، على العكس من ذلك، يبدو جيداً هذا العام، حيث يتمتع بحمل طبيعي ونمو جيد للأشجار.

تُعد بلدة رنكوس، التابعة لمنطقة التل في ريف دمشق، من أبرز مناطق إنتاج الكرز القلموني المعروف بجودته العالية ومكانته المميزة في الأسواق المحلية والخارجية.

وتشير بيانات القطاع الزراعي في ريف دمشق إلى أن زراعة الكرز تشكل نحو 70 بالمئة من إجمالي المساحات المزروعة بالأشجار المثمرة في المحافظة، حيث يبلغ عدد أشجار الكرز نحو 6.5 ملايين شجرة، منها أكثر من 3.7 ملايين شجرة مثمرة، موزعة على مساحة تتجاوز 21 ألف هكتار.

كما تضم منطقة القلمون وحدها نحو 1.9 مليون شجرة كرز، وتشتهر بأصناف عديدة، أبرزها “أبو خط” و”الفرعوني” و”النواري” و”الطلياني” و”قلب الطير”. ويتميز الكرز القلموني بأنه محصول بعلي يعتمد بشكل رئيسي على مياه الأمطار والأسمدة العضوية، ما يمنحه جودة عالية ويجعله من المحاصيل المطلوبة للتصدير.

خسائر متراكمة منذ سنوات

ولا تقتصر معاناة مزارعي القلمون على الظروف المناخية التي ضربت الموسم الحالي، بل تمتد إلى خسائر تراكمت خلال السنوات الماضية نتيجة تضرر مساحات واسعة من البساتين.

ويؤكد عدد من المزارعين أن آلاف الأشجار تعرضت للتحطيب والتقطيع خلال سنوات الحرب وممارسات نظام الأسد الذي سيطر على المنطقة عام 2014، فيما أدى إهمال الأراضي الزراعية ومنع أصحابها من الوصول إليها لفترات طويلة إلى تيبس مساحات واسعة وخروجها من الإنتاج.

أبو دياب، أحد مزارعي المنطقة، يقول إن أكثر من عشرين دونماً من أرضه تضررت بشكل كبير بعد سنوات من الإهمال القسري، ما أدى إلى جفاف الأشجار وتراجع إنتاجيتها بشكل شبه كامل.

ويضيف: “الفلاح ينتظر الموسم من العام إلى العام، وعندما يخسر محصوله يخسر مصدر دخله الأساسي. كثير من الأشجار يبست، والخسارة لا تقتصر على الأرض فقط بل تمتد إلى حياة الأسرة كلها”.

الفلاح بين تقلبات الطبيعة وغياب الحماية

وفي جبال القلمون وسهولها، يواصل المزارعون معركة سنوية مع الطبيعة، حيث يتحول القلق من الصقيع والأمطار والظروف الجوية إلى هاجس دائم يرافقهم منذ بداية الإزهار وحتى نهاية الحصاد.

ويؤكد مزارعون أن غياب آليات فعالة لتعويض الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية يجعلهم الحلقة الأضعف في مواجهة الخسائر، خصوصاً عندما تضرب موجات الصقيع أو الأمطار المفاجئة مواسمهم الزراعية، وتقضي على جهد عام كامل خلال أيام قليلة.

كما يشكو المزارعون من ضعف الدعم الزراعي وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب التحديات التسويقية التي تقلص من هامش أرباحهم حتى في المواسم الجيدة.

موسم يحتاج إلى إنقاذ

ورغم الصورة القاتمة التي فرضها الموسم الحالي، لا يزال مزارعو رنكوس والقلمون يتمسكون بالأمل في استعادة بساتينهم عافيتها خلال الأعوام المقبلة، مؤكدين أن حماية هذا القطاع تتطلب دعماً حقيقياً للمزارعين وتعويض المتضررين وتحسين الخدمات الزراعية والتسويقية.

فالكرز القلموني ليس مجرد محصول زراعي، بل جزء من هوية المنطقة الاقتصادية والاجتماعية، ومصدر رزق لآلاف الأسر التي تنتظر كل عام أن تثمر الأشجار ما يكفي لمواجهة أعباء الحياة. لكن موسم 2026 جاء مختلفاً، إذ تحولت الثمار المنتظرة إلى خيبة كبيرة، تاركة المزارعين أمام خسائر ثقيلة وآمال مؤجلة إلى موسم جديد.