درعا: ليلة نزوح لسكان عابدين مع تصاعد التوغلات الإسرائيلية

حجم الخط

مع ساعات الفجر الأولى، بدأ سكان قرية عابدين في ريف درعا الغربي بالعودة تدريجياً إلى منازلهم التي غادروها على عجل قبل ساعات، بعدما دفعتهم أصوات القصف وتحليق الطائرات المسيّرة إلى النزوح نحو القرى المجاورة.

وبينما بدت شوارع البلدة أكثر هدوءاً صباح الاثنين، بقيت آثار ليلة وصفتها مصادر محلية بأنها من أكثر الليالي توتراً منذ أشهر، حاضرة في روايات السكان الذين تحدثوا عن توغل للقوات الإسرائيلية، وإطلاق قذائف وقنابل ضوئية، وحركة نزوح جماعية شملت آلاف المدنيين.

وقال موفق تركي محمود، رئيس بلدية عابدين، في تصريح لموقع سوريا 24، إن الأوضاع داخل القرية “مستقرة حالياً”، موضحاً أن نحو 2000 شخص غادروا البلدة خلال ساعات الليل إلى القرى المجاورة، حيث لجأوا إلى منازل أقاربهم وأنسبائهم ومعارفهم، قبل أن يعودوا جميعاً صباح اليوم بعد انحسار التوتر.

وأضاف أن قوات الأمم المتحدة وصلت إلى المنطقة صباحاً ثم غادرتها لاحقاً، محذراً من أن التوغلات الإسرائيلية المتكررة باتت تنعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية للسكان، إذ تعرقل وصول المنظمات الإنسانية، كما تدفع تجار الجملة والموزعين إلى تجنب دخول المنطقة خشية التعرض لحواجز أو كمائن، الأمر الذي يؤثر على حركة الأسواق وإمداد القرى بالمواد الأساسية.

تصعيد بدأ بمحاولة توغل

وبحسب معن الحسن، أحد سكان عابدين، بدأت الأحداث عصر الأحد عندما حاولت القوات الإسرائيلية التقدم نحو القرية، إلا أن عدداً من الشبان اعترضوا طريقها بإغلاق المداخل بالحجارة ورشق الآليات العسكرية، ما أجبرها على التراجع في المحاولة الأولى.

ويقول الحسن لموقع سوريا 24 إن القوات عادت بعد ساعات مع اقتراب المساء، مدعومة بتعزيزات إضافية تمركزت على أطراف البلدة، قبل أن يتطور المشهد إلى قصف مدفعي وتحليق للطيران، بينما واصل الأهالي إغلاق الطرق بالحجارة لمنع تقدم الآليات.

ويضيف أن الخوف الحقيقي بدأ مع القصف الجوي، إذ دفعت الغارات عشرات العائلات إلى مغادرة منازلها قرابة منتصف الليل، خشية اتساع العمليات العسكرية داخل القرية.

وأشار إلى أن القوات الإسرائيلية كانت قد أقامت خلال الأيام السابقة حواجز مؤقتة على الطرق المؤدية إلى عابدين، موضحاً أنه أوقف شخصياً أثناء توجهه إلى عمله وخضع لاستجواب من الجنود، واصفاً الأسئلة التي وجهت إليه بأنها “استفزازية”.

“خرجنا وتركنا كل شيء خلفنا”

وتصف إحدى السيدات من سكان القرية لحظات النزوح بأنها جرت في ظروف من الذعر، مؤكدة أن القوات الإسرائيلية كثفت خلال الفترة الماضية عمليات اقتحام المنازل، حيث كانت تفتش البيوت وتبعثر محتوياتها وتوجه أسلحتها نحو المدنيين أثناء عمليات التفتيش.

وأضافت خلال حديثها لموقع سوريا 24 أن السكان اضطروا إلى مغادرة منازلهم على عجل، تاركين الأبواب مفتوحة وممتلكاتهم داخلها، قبل أن يعودوا مع ساعات الصباح الأولى بعد هدوء الأوضاع نسبياً.

ولفتت إلى أن عناصر الأمن العام ساعدوا المدنيين على الخروج عبر الطرق الآمنة، فيما بقيت حالة الخوف تسيطر على السكان حتى بعد عودتهم.

أطفال يواجهون الآليات بالحجارة

ولم تقتصر المواجهة على البالغين، إذ قال أحد الأطفال الذين شاركوا في إغلاق الطرق بالحجارة لموقع سوريا 24 إن القوات الإسرائيلية تقدمت باتجاه تل المغر وقرية عابدين، ما دفع الأطفال والشبان إلى وضع الحجارة في الطرقات لمنع تقدم الآليات العسكرية.

وأضاف أن القوات انسحبت بداية، لكنها عادت ليلاً وأطلقت ثلاث قنابل ضوئية وست قذائف، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة فوق عابدين ومنطقة حوض اليرموك.

وأشار إلى أن حالة الخوف دفعت جزءاً من السكان إلى مغادرة القرية، كما سجلت سرقة جرار غاز خلال الأحداث، مؤكداً أن الأهالي ما زالوا يخشون تكرار التوغلات.

قرية حدودية في قلب منطقة متوترة

تقع عابدين في ريف درعا الغربي ضمن منطقة حوض اليرموك، وهي منطقة ملاصقة تقريباً لخط فض الاشتباك مع الجولان السوري المحتل، وتضم عدداً من القرى الزراعية التي تعتمد بصورة رئيسية على الزراعة وتربية المواشي، بينما ترتبط حركة سكانها اليومية بشبكة طرق ريفية تصلها بمدينة نوى وبلدات الريف الغربي.

ومنذ التغيرات العسكرية التي شهدها الجنوب السوري، تحولت قرى حوض اليرموك إلى واحدة من أكثر المناطق تعرضاً للتوغلات الإسرائيلية، إذ سجلت مصادر محلية خلال الأشهر الماضية عمليات دخول متكررة للقوات الإسرائيلية إلى عدد من القرى الحدودية، ترافقت مع إقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش للمنازل والمركبات، وتحليق شبه يومي للطائرات المسيّرة، إضافة إلى تنفيذ عمليات تجريف وإقامة سواتر ترابية في بعض المواقع القريبة من الحدود.

ويقول سكان المنطقة إن هذه التحركات لم تعد تقتصر على البعد العسكري، بل بدأت تفرض واقعاً جديداً على الحياة المدنية، إذ بات المزارعون يترددون في الوصول إلى أراضيهم القريبة من خطوط التماس، كما تراجعت حركة التجارة بين القرى، وأصبحت عمليات نقل البضائع أكثر صعوبة بسبب المخاوف من الحواجز أو الإغلاقات المفاجئة.

وتأتي أحداث عابدين بعد سلسلة من التوغلات التي شهدتها بلدات وقرى في الريف الغربي لدرعا خلال الأشهر الأخيرة، في ظل استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات تقول إنها مرتبطة بأمن حدودها، بينما ينظر إليها سكان المنطقة باعتبارها توسعاً ميدانياً يزيد من هشاشة الوضع الأمني ويعمق حالة عدم الاستقرار في القرى الحدودية.

ورغم عودة معظم سكان عابدين إلى منازلهم صباح الاثنين، فإن الهدوء الذي يسود القرية يبقى مشوباً بالحذر، فيما يواصل الأهالي مراقبة أطراف البلدة خشية أن تتحول التوغلات المتكررة إلى واقع دائم يفرض مزيداً من القيود على حياتهم اليومية ويجعل النزوح المؤقت جزءاً من تفاصيل الحياة في ريف درعا الغربي.