بدلًا من أن تكون سنوات الطفولة مرحلة للتعلم واللعب، يجد عدد من الأطفال في محافظة دمشق أنفسهم داخل سوق العمل في سن مبكرة، بحثًا عن مصدر دخل يساعد أسرهم على مواجهة ظروف معيشية قاسية. وبين بائع ورد في الشارع وطفل يوازن بين المدرسة والعمل، تتكشف وجوه متعددة لظاهرة عمالة الأطفال التي تهدد حقهم في التعليم وتترك آثارًا طويلة الأمد على مستقبلهم.
يبدأ الطفل محسن، البالغ من العمر 13 عامًا، يومه في شوارع دمشق منذ ساعات الصباح الأولى، حاملًا باقات الورود التي يبيعها للمارة حتى المساء. ويقول لـ”سوريا 24” إنه ترك المدرسة منذ سنوات، حتى بات لا يعرف الكتابة، بعدما دفعته ظروف أسرته إلى دخول سوق العمل في عمر مبكر.
ويضيف محسن أنه يعمل في بيع الورود منذ ست سنوات، من الساعة الثامنة صباحًا وحتى السادسة مساءً، موضحًا أن دخله، إلى جانب دخل شقيقه، يشكل المصدر الأساسي لإعالة أسرته.
أما الطفل محمد (14 عامًا)، فيحاول الجمع بين مقاعد الدراسة والعمل لمساندة والده المريض وتأمين جزء من احتياجات المنزل. ويقول لـ”سوريا 24” إنه يخرج إلى العمل بعد ساعات الدراسة، حيث يبدأ عمله من التاسعة صباحًا وحتى الرابعة والنصف مساءً، ويبيع علب العلكة أو البسكويت وفق ما تسمح به إمكانياته المادية.
ويشير محمد إلى أنه يعمل في البيع المتجول منذ نحو ستة أشهر، مؤكدًا أن هدفه الأساسي هو مساعدة والده في تأمين مصاريف الأسرة، رغم محاولته الحفاظ على استمراره في التعليم.
بين القانون والواقع
وعلى الرغم من وجود تشريعات تحد من تشغيل الأطفال، يؤكد المحامي أحمد إدريس لـ”سوريا 24” أن القوانين السورية، ومنها قانون العمل رقم /17/ لعام 2010 وقانون حقوق الطفل رقم /21/ لعام 2021، تمنع تشغيل الأطفال قبل إتمام الخامسة عشرة من العمر، مع فرض عقوبات بحق المخالفين، خصوصًا في حالات تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة أو حرمانهم من التعليم.
ويرى إدريس أن التحدي الأساسي لا يرتبط بغياب النصوص القانونية، بل بضعف تطبيقها والرقابة على تنفيذها، داعيًا إلى تعزيز دور الجهات المختصة في رصد حالات تشغيل الأطفال والوصول إلى الأطفال الذين يتعرضون للاستغلال.
ويضيف أن عمالة الأطفال ليست مجرد مخالفة قانونية، بل هي نتيجة لظروف اقتصادية واجتماعية تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على دخل أطفالها، في الوقت الذي تستغل فيه بعض جهات العمل ضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم.
الرقابة ومحدودية البيانات
من جهتها، تقول معاونة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، رغداء زيدان، لـ”سوريا 24”، إن الوزارة تعتمد في متابعة انتشار عمالة الأطفال على المؤشرات التي توفرها مديرية تفتيش العمل، من خلال الجولات التفتيشية التي ترصد مدى التزام أصحاب العمل بأحكام قانون العمل، وتوثق حالات تشغيل الأطفال.
وتوضح زيدان أن تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة يعد مخالفة جسيمة وفق المادة (113) من قانون العمل، التي تنص على منع عمل الأحداث قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو بلوغ سن الخامسة عشرة، أيهما أكبر.
وتشير إلى أن فرق التفتيش تسجل مخالفات في بعض المنشآت، وعند ثبوت تشغيل أطفال دون السن القانونية تُفرض العقوبات المنصوص عليها، والتي تبدأ بالغرامات المالية وقد تصل إلى الإغلاق في حال وجود تشغيل قسري للأطفال.
لكن زيدان تلفت إلى أن نتائج الجولات التفتيشية لا تكفي وحدها لتكوين قاعدة بيانات شاملة حول حجم الظاهرة، وإنما تقدم مؤشرات تساعد في تقدير انتشارها، موضحة أن الوزارة تعمل بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وعدد من الجهات الحكومية على إعداد قاعدة بيانات أكثر دقة.
الفقر والتعليم… جذور الظاهرة
وترجع زيدان انتشار عمالة الأطفال إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها الفقر، إضافة إلى الثغرات في منظومتي التعليم والحماية الاجتماعية، وبعض العادات المجتمعية التي تدفع إلى تشغيل الأطفال، خصوصًا الذكور، بحجة تعليمهم مهنة أو مساعدتهم على تأمين مستقبلهم.
وتؤكد أن الحد من الظاهرة يحتاج إلى إجراءات متكاملة تشمل نشر الوعي بأهمية التعليم، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر الأكثر هشاشة، إلى جانب تطبيق القوانين التي تكفل حماية الأطفال من الاستغلال.
وتشير إلى أن الوزارة تنفذ برامج للحماية الاجتماعية ودعمًا مخصصًا للأطفال، من بينها برنامج “تنمو”، بالتعاون مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف توفير الدعم التعليمي والاقتصادي والنفسي للأطفال والأسر المحتاجة.
وبين شوارع دمشق، حيث يبيع بعض الأطفال الورود أو العلكة بدلًا من الكتب، تبقى عمالة الأطفال أكثر من مجرد ظاهرة اقتصادية؛ فهي قضية ترتبط بمستقبل جيل كامل، وبقدرة المجتمع على حماية أطفاله وضمان حقهم في التعليم والحياة الآمنة.