تشهد أسواق حي صلاح الدين في مدينة حلب حالة من الركود التجاري الملحوظ، وسط تراجع الإقبال على التسوق نتيجة ضعف القدرة الشرائية لدى الأهالي، وارتفاع الأسعار، واستمرار البطالة ومحدودية فرص العمل، ما انعكس بشكل مباشر على حركة البيع والشراء في أحد أبرز الأحياء التجارية بالمدينة.
ويؤكد أصحاب المحال التجارية الذين قابلناهم أن الأسواق فقدت جزءاً كبيراً من حيويتها خلال السنوات الأخيرة، إذ بات كثير من المواطنين يقتصرون على شراء احتياجاتهم الأساسية، في وقت أصبحت فيه متطلبات المعيشة تفوق إمكانات معظم الأسر.
تراجع المبيعات وتقلبات سعر الصرف
يقول أحمد جنيد، صاحب محل ألبسة في حي صلاح الدين، إن الحركة التجارية تراجعت بشكل واضح مقارنة بالسنوات السابقة، مرجعاً ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية وقلة فرص العمل، إلى جانب استمرار تقلبات سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية.
ويوضح، في حديثه لـ”سوريا 24“، أن عدم استقرار سعر الصرف ينعكس مباشرة على الأسواق، خاصة أن معظم البضائع تُسعَّر بالدولار، ما يجعل أسعارها مرتفعة عند احتسابها بالليرة السورية.
ويضرب مثالاً على ذلك قائلاً: “قد يبلغ سعر قطعة الألبسة 50 دولاراً، وعند تحويل قيمتها إلى الليرة السورية تصل إلى نحو 645 ألف ليرة، وهو مبلغ لا يستطيع كثير من الزبائن تحمله، لذلك يغادرون المحل دون شراء”.
ويرى جنيد أن المشكلة الأعمق تكمن في غياب فرص العمل وتراجع الدخل، الأمر الذي أدى إلى انخفاض السيولة المالية لدى المواطنين وانحسار حركة البيع، لتقتصر في كثير من الأحيان على المواسم والأعياد.
كما يشير إلى أن أصحاب المحال يواجهون صعوبات في تثبيت أسعار بضائعهم بسبب التغير المستمر في سعر الصرف، فضلاً عن الضغوط المرتبطة بالإجراءات والرقابة التموينية.
المواد الغذائية أقل تأثراً.. لكن الأسعار غير مستقرة
من جانبه، يوضح أحمد فتلون، صاحب سوبر ماركت في الحي، أن قطاع المواد الغذائية لا يزال يشهد حركة أفضل مقارنة بقطاعات أخرى، نظراً لارتباطه بالاحتياجات اليومية للسكان، إلا أن تقلبات سعر الصرف تلقي بظلالها على الأسعار بشكل شبه يومي.
ويلفت إلى أن بعض التجار يرفعون أسعار السلع بوتيرة تتجاوز التغيرات الفعلية في سعر الصرف، ما يزيد الأعباء على المستهلكين وأصحاب المحال الصغيرة على حد سواء.
ويضيف أن التجار يواجهون أيضاً تحديات تتعلق بالمخالفات البلدية والتنظيمية، مشيراً إلى أنه تلقى مخالفة بقيمة 515 ألف ليرة سورية بسبب وضع براد أمام محله، باعتباره إشغالاً للرصيف والطريق العام.
ويطالب فتلون الجهات المعنية بتشديد الرقابة على التجار الذين يستغلون تقلبات السوق لرفع الأسعار دون مبررات حقيقية، إلى جانب مراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها أصحاب المحال عند تطبيق المخالفات والإجراءات التنظيمية.
“يوم كامل لبيع زوج أحذية واحد”
أما محمد لحفي، صاحب محل أحذية في حي صلاح الدين، فيصف الواقع التجاري بأنه “سيئ جداً”، مشيراً إلى أن ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة دفعا معظم الأهالي إلى تأجيل شراء السلع غير الأساسية والتركيز على تأمين احتياجاتهم اليومية.
ويقول إن تقلب سعر صرف الدولار منذ سنوات تسبب بخسائر متكررة للتجار، موضحاً أن موردي البضائع غالباً ما يربطون أسعارهم بسعر الصرف، الأمر الذي يضع أصحاب المحال في مواجهة مباشرة مع الزبائن الرافضين للأسعار المرتفعة.
ويضيف: “قد يمضي يوم كامل دون أن أبيع سوى زوج واحد من الأحذية، في ظل الركود الذي تشهده الأسواق”.
ويؤكد لحفي أن التحديات لا تقتصر على ضعف المبيعات، بل تشمل أيضاً صعوبة تثبيت الأسعار في ظل التقلبات المستمرة، ما يجعل التجار عرضة للمخالفات التموينية، فضلاً عن ارتفاع التكاليف التشغيلية.
ويكشف أن إيجار محله يبلغ نحو أربعة آلاف دولار سنوياً، مع توقعات بارتفاعه إلى خمسة آلاف دولار، وهو ما يزيد الضغوط المالية على أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة.
مطالب بتحريك الاقتصاد وتحسين الدخل
ويتفق أصحاب المحال الذين تحدثوا لـ”سوريا 24” على أن إنعاش الأسواق لا يمكن أن يتحقق من خلال ضبط الأسعار فقط، بل يتطلب معالجة الأسباب الأساسية للركود، وفي مقدمتها البطالة وضعف الدخل وتراجع فرص العمل.
ويأمل التجار أن تشهد المرحلة المقبلة استقراراً أكبر في سعر صرف الليرة السورية، إلى جانب اتخاذ إجراءات اقتصادية تسهم في خلق فرص عمل وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بما ينعكس إيجاباً على الحركة التجارية ويعيد الحيوية إلى أسواق مدينة حلب التي تعاني من ركود متواصل منذ سنوات.





