لم تعد البسطات في أسواق دمشق مجرد وسيلة لبيع السلع والمواد الغذائية، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي الذي يعكس واقعاً اقتصادياً ومعيشياً معقداً. ففي الوقت الذي يعتمد عليها آلاف الأشخاص كمصدر رئيسي للدخل، يشكو الأهالي من اتساع انتشارها على الأرصفة، الأمر الذي يحد من حرية تنقل المشاة ويزيد من الازدحام داخل الأسواق، وسط مطالب بإيجاد حلول تنظيمية توازن بين تأمين سبل العيش والحفاظ على حق المواطنين في استخدام الفضاءات العامة.
وتشهد العديد من الأسواق والأحياء التجارية في دمشق انتشاراً ملحوظاً للبسطات، التي تعرض مختلف أنواع السلع، بدءاً من المشروبات والأطعمة، وصولاً إلى الملابس والإكسسوارات والخضراوات والفواكه. ورغم أن هذه البسطات تلبي احتياجات شريحة واسعة من المواطنين بأسعار أقل من تلك الموجودة في المحال التجارية، فإن تمددها على الأرصفة يثير جدلاً متجدداً حول آلية تنظيمها وانعكاساتها على الحركة داخل المدينة.
وقال أبو يوسف (33 عاماً)، صاحب بسطة لبيع المشروبات، لـ”سوريا 24“، إنه لم يحصل على موافقة من محافظة دمشق لإقامة البسطة، مؤكداً أنه يحرص على عدم إعاقة حركة المشاة أو إشغال المساحة المخصصة لهم.
وأضاف أن البسطة تمثل مصدر دخله الوحيد، مشيراً إلى أنه يحاول قدر الإمكان الحفاظ على انسيابية حركة المارة وعدم التسبب بأي إزعاج لهم، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي شكاوى من المواطنين منذ بدء عمله.
وأعرب عن أمله في أن تراعي الجهات المعنية الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت كثيرين إلى اللجوء إلى هذا النوع من العمل، معتبراً أن معظم أصحاب البسطات لم يختاروا هذه المهنة بإرادتهم، وإنما فرضتها عليهم الظروف المعيشية وقلة فرص العمل.
بدوره، قال أبو أحمد (60 عاماً)، صاحب بسطة لبيع الأكلات، إن تراجع فرص العمل في دمشق دفعه إلى الاعتماد على البسطة كمصدر رزق لإعالة أسرته، موضحاً أنه يدرك أن انتشار البسطات لا يعكس مظهراً حضارياً، ويتفهم الإجراءات التي تتخذها محافظة دمشق لتنظيمها، إلا أن الأوضاع المعيشية الصعبة لا تترك له خياراً آخر.
وأضاف أن البسطات ليست حلاً دائماً، بل وسيلة اضطرارية لتأمين لقمة العيش، داعياً إلى توسيع فرص العمل ضمن المعامل والمؤسسات، وإيجاد برامج تستوعب الأشخاص الذين فقدوا مصادر دخلهم، بما يحد من اضطرارهم إلى العمل في الشوارع.
وأشار إلى أنه يعيل أسرة تضم عدداً من الأطفال، وأن دخله اليومي من البسطة لا يتجاوز 60 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، قائلاً: “الجابرك على المرّ أمرّ منه”.
في المقابل، يرى عدد من الأهالي أن انتشار البسطات بات يؤثر بصورة مباشرة في حركة المشاة، ولا سيما في الأسواق المكتظة التي تشهد حركة تجارية كثيفة على مدار اليوم.
وقال أبو عمر (40 عاماً)، أحد المتسوقين، إن إشغال الأرصفة بالبسطات يدفع المارة، في كثير من الأحيان، إلى السير في الشارع، الأمر الذي يزيد من صعوبة التنقل، خاصة لكبار السن والأطفال، فضلاً عن تفاقم الازدحام في ساعات الذروة.
وأضاف أن الأسواق التي تنتشر فيها البسطات تشهد إقبالاً كبيراً من المواطنين، نظراً إلى انخفاض أسعار السلع مقارنة بالمحال التجارية، وهو ما يزيد من كثافة الحركة في تلك المناطق.
وأكد أن للمشاة حقاً في استخدام الأرصفة دون عوائق، لكنه شدد، في الوقت ذاته، على ضرورة مراعاة الظروف الاقتصادية التي دفعت كثيراً من أصحاب البسطات إلى هذا العمل، موضحاً أن معظمهم لا يستطيعون استئجار محال تجارية بسبب ارتفاع تكاليف الإيجارات، التي قد تصل في بعض مناطق دمشق إلى نحو 800 دولار شهرياً.
وأشار إلى أن مناطق ذات كثافة سكانية وتجارية، مثل البرامكة، تشهد إقبالاً واسعاً على البسطات، نتيجة تنوع السلع التي تعرضها وأسعارها المناسبة، وهو ما يجعلها مقصداً يومياً لعدد كبير من المتسوقين.
وفي إطار إعداد هذا التقرير، تواصل مراسل “سوريا 24” مع الجهات المعنية في محافظة دمشق للحصول على تعليق بشأن آلية تنظيم البسطات والإجراءات المتخذة حيالها، إلا أنه لم يتلقَّ أي رد حتى لحظة النشر.
وتبقى البسطات في دمشق عنواناً لإشكالية تجمع بين أبعاد اقتصادية واجتماعية وتنظيمية؛ فهي، من جهة، تمثل مصدر دخل لآلاف الأسر التي تواجه أوضاعاً معيشية صعبة، ومن جهة أخرى، تفرض تحديات تتعلق باستخدام الأرصفة وتنظيم الحركة داخل الأسواق. وبين هذين الواقعين، تبرز الحاجة إلى حلول عملية توازن بين حق المواطنين في التنقل الآمن، وحق العاملين في تأمين مصادر رزقهم، من خلال آليات تنظيمية تراعي المصلحة العامة وتحد من مظاهر الفوضى، دون أن تزيد من الأعباء المعيشية على أصحاب البسطات.


