درعا: الإيجارات تواصل ارتفاعها ودعوات لضبط السوق

حجم الخط

لم تعد أزمة السكن في مدينة درعا تقتصر على صعوبة العثور على منزل مناسب، بل تحولت إلى أحد أبرز أوجه الضغوط الاقتصادية التي تواجه الأسر، بعدما سجلت بدلات الإيجار ارتفاعات متتالية أوصلت أسعار بعض الشقق إلى نحو أربعة أضعاف مستوياتها قبل عام 2011 عند احتسابها بالدولار الأميركي، في ظل نقص المساكن الجاهزة وارتفاع الطلب الناتج عن عودة قسم من السكان من النزوح والخارج، مقابل دخول بقيت عاجزة عن مواكبة هذه القفزة.

وتشير شهادات جمعتها مراسلة “سوريا 24” في المحافظة إلى أن الارتفاع لم يعد يطال العقود الجديدة فقط، بل امتد إلى المستأجرين القدامى، مع زيادات دورية في بدلات الإيجار، فيما اتجه عدد من المالكين إلى تسعير العقود بالدولار الأميركي أو بما يعادله بالليرة السورية، بهدف الحفاظ على القيمة الفعلية للإيجار في ظل تقلبات الأسعار.

الإيجار يلتهم الرواتب

وفاقم ارتفاع الإيجارات معاناة أصحاب الدخل المحدود. تقول صفاء، وهي مستأجرة في مدينة درعا، لموقع “سوريا 24”، إن إيجار منزلها الحالي بلغ 300 دولار شهريًا، بعد سلسلة من الزيادات التي دفعتها إلى تغيير مسكنها مرتين.

وتوضح أن إحدى المالكات رفضت تقاضي الإيجار بالليرة السورية، واشترطت الدفع بالدولار أو بما يعادله، مشيرة إلى أن راتبها التقاعدي، رغم الزيادات التي طرأت عليه، لم يعد يكفي لتغطية تكلفة السكن.

وتضيف أن حتى الموظفين الذين يتقاضون رواتب ثابتة باتوا يواجهون صعوبة في تأمين إيجار منزل، محذرة من أن استمرار الارتفاع قد يدفع بعض الأسر إلى اللجوء إلى حلول سكنية مؤقتة أو غير ملائمة.

وتستعيد صفاء مسار ارتفاع الإيجارات خلال السنوات الماضية، موضحة أن أحد المنازل التي استأجرتها بدأ إيجاره بنحو 12 ألف ليرة سورية، قبل أن يرتفع إلى 25 ألفًا، ثم 200 ألف، ثم 500 ألف ليرة، وصولًا إلى التسعير بالدولار.

راتب شهر مقابل سقف يأوي العائلة

أما محمود، وهو موظف وأب لستة أبناء، فيقول إن دخله الشهري يبلغ نحو 1.6 مليون ليرة سورية، بينما يدفع 1.5 مليون ليرة لقاء إيجار منزله، أي ما يعادل معظم راتبه الشهري.

ويشير إلى أنه يقيم في المنزل ذاته منذ عام 2012، وأن الإيجار ارتفع تدريجيًا من نحو 600 ألف ليرة إلى مليون ليرة، ثم إلى مليون ونصف المليون ليرة منذ أيار/مايو الماضي، مع توقعات بفرض زيادات جديدة خلال الفترة المقبلة.

ويضيف أن مالك العقار يقيم خارج البلاد، ويتولى وكيل تحصيل الإيجارات، مؤكدًا أنه لا يستطيع الانتقال إلى منزل آخر بسبب ارتفاع الأسعار وقلة الخيارات المتاحة، داعيًا الجهات المعنية إلى وضع ضوابط تحد من الزيادات المتكررة.

وفي شهادة أخرى، يقول مستأجر فضل عدم الكشف عن هويته إن إيجار منزله ارتفع من 800 ألف ليرة سورية إلى 2.5 مليون ليرة، موضحًا أن المبلغ يستهلك معظم راتبه، وأحيانًا كامله.

ويضيف أنه لم يغيّر منزله، ليس اقتناعًا بالسعر، وإنما لعدم توفر بدائل مناسبة، معتبرًا أن قلة المساكن الجاهزة واستغلال حاجة المستأجرين يقفان وراء الارتفاعات المتلاحقة.

العرض المحدود يدفع الأسعار إلى الأعلى

وفي محاولة لمعرفة أسباب هذا الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، يشرح صاحب مكتب عقاري في درعا، منهل سويدان، التغيرات التي طرأت على متوسط إيجار الشقق السكنية في المحافظة، ويقول لموقع “سوريا 24” إن شقة مؤلفة من غرفتين وصالة في أحياء مثل الكاشف يبلغ إيجارها حاليًا نحو 300 دولار شهريًا، بينما كان قبل عام 2011 يقارب 3500 ليرة سورية، أي ما يعادل آنذاك نحو 70 دولارًا، وهو ما يعكس ارتفاعًا يقارب أربعة أضعاف عند المقارنة بالدولار.

ويعزو سويدان هذا الارتفاع إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها تضرر نسبة كبيرة من المساكن خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى تقلص المعروض من الوحدات السكنية، بالتزامن مع عودة أعداد من السوريين من الخارج ومن مناطق النزوح، وهو ما رفع الطلب إلى مستويات تفوق قدرة السوق على الاستجابة.

ويشير إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على مدينة درعا، إذ امتدت إلى بلدات الريف، حيث لا يقل إيجار الشقة المماثلة عن 150 دولارًا شهريًا، لافتًا إلى أن تحسن الوضع الأمني لم يكن العامل الحاسم في ارتفاع الأسعار، بل إن اتساع الفجوة بين العرض والطلب هو المحرك الرئيسي للسوق.

ويضيف أن أكثر الأحياء ارتفاعًا في الأسعار هي السبيل، والكاشف، ومنطقة المطار، وشمال الخط، بينما تنخفض الإيجارات تدريجيًا كلما ابتعدت العقارات عن مركز المدينة.

دعوات لتنظيم السوق وتحفيز الاستثمار

ويرى سويدان أن معالجة أزمة السكن لا تقتصر على ضبط الأسعار، بل تتطلب توسيع المعروض السكني عبر تشريعات تشجع الاستثمار في قطاع الإسكان، وتيسر تنفيذ المشاريع الجديدة، معتبرًا أن القوانين الحالية لا توفر بيئة كافية لاستقطاب المستثمرين القادرين على زيادة عدد الوحدات السكنية.

أزمة مرشحة للاستمرار

وتبدو أزمة الإيجارات في درعا مستمرة، ولا تلوح في الأفق حلول قريبة، في ظل غياب مشاريع سكنية للتطوير العقاري، وخروج أعداد كبيرة من الأبنية عن الخدمة بفعل قصف قوات النظام السابق، وهو ما يُبقي المعروض أقل من الطلب، فيما لم تواكب مستويات الدخل الارتفاع المتسارع في كلفة السكن.

ومع غياب أدوات تنظيمية فاعلة، أو مشاريع إسكانية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد، تبدو أزمة الإيجارات مرشحة للاستمرار، لتبقى كلفة تأمين مسكن ملائم واحدة من أكثر الأعباء إلحاحًا على الأسر في المحافظة.