هيئة العدالة لـ”سوريا 24”: إشراك الضحايا وذويهم ركيزة أساسية في مسار التقاضي

حجم الخط

قال مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المحامي والحقوقي رديف مصطفى، إن محاكمة الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، عاطف نجيب، تكتسب أهمية استثنائية، ليس فقط لكونه أحد أبرز المسؤولين الأمنيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالأحداث الأولى في محافظة درعا، وإنما أيضًا لكونه ابن خالة الرئيس المخلوع بشار الأسد، فضلًا عن رمزية درعا باعتبارها المدينة التي انطلقت منها الاحتجاجات السورية في آذار/مارس 2011، قبل أن تتحول إلى نزاع امتد لأكثر من ثلاثة عشر عامًا.

وأضاف مصطفى، في تصريح لـ”سوريا 24”، أن القضية تمثل البداية الفعلية لمسار المحاسبة في سوريا، وتشكل أول تجربة قضائية ضمن مسار العدالة الانتقالية، بعد عقود غابت خلالها محاسبة كبار المسؤولين المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة أمام القضاء.

وأوضح أن تأخر إقرار قانون خاص بالعدالة الانتقالية دفع القضاء إلى اعتماد مسار قانوني يستند إلى التشريعات السورية، إلى جانب الاتفاقيات الدولية الملزمة التي صادقت عليها سوريا، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وهو ما أتاح، بحسب قوله، توجيه اتهامات تتعلق بالجرائم ضد الإنسانية، استنادًا إلى الأدلة والإفادات التي جُمعت خلال التحقيقات.

وأكد مصطفى أن هذه المقاربة تعكس التزام مسار المحاسبة بالأصول القضائية، مشيرًا إلى أن الولاية الزمنية للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تمتد إلى عام 1970، أي منذ بداية حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، بما يسمح بالتحقيق في الانتهاكات التي ارتُكبت منذ ذلك التاريخ.

وفيما يتعلق بمشاركة الضحايا وذويهم، قال مصطفى إن التجربة لا تزال جديدة في المجتمع السوري، بعد عقود غابت خلالها ثقافة اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالحقوق، وهو ما يفسر، بحسب تعبيره، تساؤل كثير من الضحايا وذويهم عن جدوى تقديم الادعاءات أو الشهادات، طالما أن المسؤولين عن تلك الانتهاكات معروفون بالنسبة لهم.

وشدد على أن المحاكمات الجزائية لا تُبنى على القناعة العامة أو السمعة، وإنما على الأدلة والشهادات وادعاءات المتضررين، مؤكدًا أن إشراك الضحايا وذويهم يمثل ركنًا أساسيًا في مسار العدالة الانتقالية، لأنه يتيح لهم رواية ما تعرضوا له أمام القضاء، ويوثق الانتهاكات ضمن سجل قانوني يحفظها للتاريخ وللأجيال المقبلة.

وحول المرحلة المقبلة، أوضح مصطفى أن المحكمة قد تنتهي، من خلال الأدلة والإفادات التي تُعرض أمامها، إلى مسؤولية متهمين آخرين، أو إلى فتح ملفات مستقلة بحق أشخاص جدد، مشيرًا إلى أن قضية عاطف نجيب تشمل أيضًا المتهم الفار بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، وعددًا من كبار مسؤولي النظام السابق.

واختتم بالتأكيد أن جميع القضايا تخضع للإجراءات المنصوص عليها في القانون السوري، وأن الأحكام التي تصدرها المحاكم قابلة للطعن أمام محكمة النقض، فيما يبقى إصدار الأحكام وتحديد المسؤوليات من الاختصاص الحصري للقضاء.

وانطلقت أولى المحاكمات العلنية المرتبطة بمسار العدالة الانتقالية في سوريا في 26 نيسان/أبريل 2026، مع افتتاح محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في أول مثول لمسؤول أمني بارز من عهد النظام السابق أمام القضاء السوري.

وتوسع هذا المسار لاحقًا ليشمل محاكمة وسيم الأسد، أحد أفراد العائلة الممتدة للرئيس المخلوع بشار الأسد، وأحمد بدر الدين حسون، مفتي الجمهورية السابق، وعبد الناصر البراقي بن منصور، في قضايا تتعلق بانتهاكات يُشتبه في ارتكابها خلال سنوات حكم النظام السابق.

وفي المقابل، لا تزال ملفات مسؤولين آخرين، بينهم وزير الداخلية الأسبق محمد الشعار، والرئيس الأسبق لإدارة المخابرات الجوية إبراهيم الحويجة، والرئيس السابق لفرع أمن الدولة في دير الزور دعاس حسن علي، تمر بمراحل التحقيق أو الإحالة القضائية، تمهيدًا لاتخاذ القرار بشأن إحالتها إلى المحاكم المختصة.

وتأتي هذه القضايا ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي أُطلق عقب سقوط نظام بشار الأسد، بهدف محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.