مياه الصرف الصحي تهدد موائد السوريين.. وتحذيرات من مخاطر صحية وبيئية جسيمة

حجم الخط

تثير ظاهرة ري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي في عدد من مناطق ريف دمشق مخاوف متزايدة لدى الأهالي والجهات المختصة، في ظل ما تحمله هذه الممارسة من مخاطر صحية وبيئية قد تمتد آثارها لسنوات طويلة. وبينما يلجأ بعض المزارعين إلى استخدام هذه المياه بسبب شح الموارد المائية أو انخفاض تكلفتها، يحذر مختصون من أن نتائجها تتجاوز حدود الحقل الزراعي لتصل إلى صحة المستهلك والتربة والبيئة المحيطة.

مخاطر صحية وبيئية متراكمة

أوضح المهندس والباحث الزراعي أنس أبو طربوش، في حديثه لـ«سوريا 24»، أن ري المحاصيل بمياه الصرف الصحي يُعد من أخطر الممارسات الزراعية، لما يسببه من أضرار على الإنسان والنبات والحيوان والتربة.

وقال إن الخضروات التي تصل إلى الأسواق بعد ريها بمياه ملوثة قد تتحول إلى وسيلة لنقل الأمراض والملوثات الكيميائية إلى الإنسان.

وأشار إلى أن هذه المياه تنقل العديد من الملوثات إلى المزروعات، خاصة الخضروات والمحاصيل الورقية التي تُستهلك طازجة من دون طهي، ما يجعلها أكثر قابلية لنقل الأمراض إلى المستهلكين.

وأضاف أن المياه الملوثة قد تحتوي على بكتيريا وفيروسات وطفيليات قادرة على التسبب بأمراض خطيرة، مثل الكوليرا والديدان المعوية وغيرها من الأمراض المنقولة عبر الغذاء.

ولفت أبو طربوش إلى خطر آخر يتمثل في تراكم المعادن الثقيلة السامة داخل النباتات، مثل الرصاص والزئبق والزرنيخ، موضحاً أن المحاصيل الورقية، كالبقدونس والخس والجرجير والنعناع، تُعد من أكثر النباتات قدرة على امتصاص هذه العناصر وتخزينها، الأمر الذي قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة وسرطانية ومشكلات صحية خطيرة، من بينها الفشل الكلوي.

وأضاف أن الأضرار لا تقتصر على صحة الإنسان، بل تمتد إلى النبات نفسه، إذ تؤدي التراكيز المرتفعة لبعض العناصر، كالبورون والزنك، إلى ظهور حالات من السمية النباتية وتلف الأوراق وانخفاض الإنتاجية الزراعية مع مرور الوقت.

كما حذر من التأثيرات بعيدة المدى على التربة، إذ يؤدي الاستخدام المتكرر لمياه الصرف الصحي إلى زيادة ملوحة الأراضي الزراعية وتراكم الأملاح فيها، ما قد يفقدها خصوبتها تدريجياً ويخرجها من دائرة الإنتاج الزراعي، لتصبح بحاجة إلى عمليات استصلاح مكلفة.

وفيما يتعلق بالمحاصيل الأكثر عرضة للخطر، شدد أبو طربوش على أن الخضروات الورقية لا ينبغي ريها بمياه الصرف الصحي بأي شكل من الأشكال، نظراً لقدرتها العالية على امتصاص الملوثات والعناصر السامة. وقال إن البقدونس والخس والجرجير من أكثر المحاصيل التي يمكن أن تنقل هذه المواد مباشرة إلى جسم الإنسان عند استهلاكها.

حتى المياه المعالجة قد تحمل مخاطر

من جانبه، أوضح أحد خبراء مخابر تحليل المياه ومعالجة الصرف الصحي في ريف دمشق، لـ«سوريا 24»، أن خطورة هذه المياه تعود إلى احتوائها على ملوثات متنوعة، تشمل بيوض الديدان ويرقاتها والجراثيم المعوية والفيروسات الممرضة، التي يمكن أن تلتصق بسطح المزروعات وتنتقل إلى المستهلك، لا سيما عند تناول الخضروات النيئة.

وأشار إلى أن المياه المعالجة ليست بالضرورة آمنة بشكل مطلق، إذ تعتمد سلامتها على كفاءة عمليات المعالجة والتعقيم التي خضعت لها. وأضاف أن التعقيم بالكلور قادر على القضاء على نسبة كبيرة من الجراثيم والكائنات الدقيقة الممرضة، لكنه لا يكون فعالاً بالدرجة نفسها في القضاء على بيوض الديدان والطفيليات، التي تتطلب مراحل معالجة وترسيب متكاملة للتخلص منها.

وأكد أن أي خلل في عمليات المعالجة أو الرقابة على جودة المياه قد يؤدي إلى انتقال مسببات الأمراض إلى السلسلة الغذائية، ما يشكل تهديداً مباشراً للصحة العامة.

حملة في الكسوة وإتلاف محاصيل مخالفة

وفي مواجهة هذه الظاهرة، أعلن رئيس مجلس مدينة الكسوة، المهندس رياض عبد الفتاح، في حديث خاص لـ«سوريا 24»، تنفيذ حملة رقابية موسعة استهدفت الأراضي الزراعية في المدينة ومحيطها، بعد رصد حالات استخدام لمياه الصرف الصحي في ري المحاصيل الزراعية.

وأوضح عبد الفتاح أن الحملة نُفذت بالتعاون بين مجلس مدينة الكسوة ودائرة الزراعة ومديرية الأمن العام، وشملت جولات ميدانية للتحقق من مصادر المياه المستخدمة في الري وضمان عدم استخدام المياه الملوثة.

وأضاف أن الجهات المختصة أتلفت مساحات واسعة من المحاصيل التي ثبت ريّها بمياه الصرف الصحي، وشملت البامية والذرة والفليفلة والباذنجان والكوسا والملوخية والبندورة، وذلك لمنع وصول المنتجات الملوثة إلى الأسواق وحماية المستهلكين.

وبيّن أن نطاق الحملة امتد من المنطقة الواقعة خلف صالة النور، باتجاه نفق الأوتوستراد الدولي والمعامل شرقاً، وصولاً إلى الحدود الإدارية لمنطقة الحرجلة، حيث جرى ضبط عدد من المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين. كما أوقفت الجهات المختصة عدداً من الأشخاص المتهمين بالري غير القانوني، وأحالتهم إلى القضاء، إضافة إلى مصادرة المعدات المستخدمة في سحب المياه الملوثة وضخها إلى الأراضي الزراعية، بما في ذلك المضخات والمحركات و«السنترفيشات».

وأكد رئيس مجلس المدينة أن المجلس وجّه إنذاراً واضحاً إلى جميع المزارعين ومستثمري الأراضي الزراعية بضرورة الالتزام باستخدام مصادر مياه آمنة ومطابقة للشروط الصحية، مشدداً على أن أي مخالفة مستقبلية ستُقابل بإتلاف المحاصيل المخالفة واتخاذ الإجراءات الإدارية والقضائية بحق المسؤولين عنها.

تهديد يتجاوز الحقول الزراعية

تكشف المعطيات الميدانية والتحذيرات العلمية أن قضية استخدام مياه الصرف الصحي في الزراعة لم تعد مجرد مخالفة زراعية، بل باتت قضية صحة عامة وأمن غذائي تمس حياة آلاف المستهلكين. وبينما تواصل الجهات المحلية حملاتها الرقابية لضبط المخالفات، يؤكد مختصون أن الحل المستدام يكمن في تعزيز الرقابة على مصادر المياه، وتوسيع مشاريع المعالجة الآمنة، ورفع وعي المزارعين بمخاطر اللجوء إلى المياه الملوثة، حفاظاً على صحة الإنسان وسلامة البيئة واستدامة الإنتاج الزراعي.