مع اتساع استخدام المحافظ الإلكترونية والعملات الرقمية في سوريا، برزت خلال الفترة الأخيرة عشرات المنصات التي تروج لنفسها باعتبارها وسيلة آمنة لتحويل الأموال أو استثمارها وتحقيق أرباح مرتفعة خلال فترات قصيرة. إلا أن خبراء في الأمن الرقمي يحذرون من أن جزءاً من هذه المنصات يعمل خارج أي إطار قانوني أو رقابي، مستغلاً حاجة السوريين إلى حلول مالية بديلة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ما أدى إلى خسارة العديد من المستخدمين لمدخراتهم.
وباتت عمليات الاحتيال الإلكتروني تعتمد على أساليب أكثر احترافية، تبدأ بإغراء المستخدمين بوعود تحقيق أرباح كبيرة، وتنتهي بإغلاق المنصة أو تجميد الأموال ومنع أصحابها من استردادها.
خبير: منصات غير مرخصة وتعمل خارج القانون
قال خبير الأمن الرقمي عبد الرحمن شواخ، في حديث خاص لـ«سوريا 24»، إن عدداً من المحافظ والمنصات الإلكترونية المتداولة بين السوريين لا يخضع لأي ترخيص أو رقابة رسمية داخل سوريا، ما يجعل التعامل معها محفوفاً بالمخاطر.
وأوضح أن بعض هذه المنصات لها ارتباطات بجهات وأشخاص متورطين في عمليات نصب واحتيال سابقة، مشيراً إلى أن من أبرز القضايا التي شهدتها الساحة السورية قضية منصة «ليرات» (Lirat)، التي استهدفت آلاف المستخدمين.
وأضاف شواخ أن جميع المنصات غير المرخصة لا تتمتع بأي حماية قانونية للمستخدمين، الأمر الذي يجعل استرداد الأموال، في حال وقوع عملية احتيال، أمراً بالغ الصعوبة، داعياً السوريين إلى تجنب التعامل مع أي منصة أو محفظة إلكترونية غير خاضعة لرقابة الجهات الرسمية.
كما وجّه رسالة إلى الجهات الحكومية بضرورة تعزيز الرقابة على التطبيقات المالية الرقمية، وإطلاق حملات توعية للمستخدمين حول مخاطر الاستثمار عبر منصات مجهولة المصدر.
كيف استدرجت منصة «ليرات» المستخدمين؟
بحسب شواخ، قدمت منصة «ليرات» نفسها على أنها محفظة رقمية متعددة العملات، توفر خدمات تحويل الأموال والاستثمار الرقمي داخل سوريا وخارجها.
واعتمد القائمون عليها على الترويج لما وصفوه بـ«الباقات الاستثمارية»، مدّعين أنها تحقق أرباحاً مرتفعة خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما جذب أعداداً كبيرة من السوريين، خاصة في ظل تراجع قيمة العملة المحلية وسعي كثيرين للحفاظ على مدخراتهم أو زيادتها.
وكانت عمليات الإيداع تتم عبر العملات الرقمية المستقرة، مثل USDT، أو من خلال شبكة وكلاء محليين، الأمر الذي منح المستخدمين شعوراً زائفاً بالثقة، قبل أن تبدأ المنصة لاحقاً بتجميد عمليات السحب ووقف دفع الأرباح، لينتهي الأمر بخسارة كثير من المستثمرين لأموالهم.
عمار محمد.. من حلم الاستثمار إلى خسارة المدخرات
يقول عمار محمد، أحد المتضررين من منصة احتيال إلكترونية، إنه تعرّف إليها من خلال أصدقاء أكدوا أنهم حصلوا على أرباح خلال الأشهر الأولى، ما شجعه على استثمار جزء من مدخراته.
ويضيف لـ«سوريا 24» أنه بدأ بمبلغ صغير، ثم زاد قيمة استثماره بعد أن تلقى أرباحاً أولية بدت حقيقية، قبل أن يفاجأ، بعد فترة، بتوقف عمليات السحب بحجة وجود تحديثات تقنية ومراجعات أمنية.
ويتابع أن إدارة المنصة كانت تطلب من المستخدمين إيداع مبالغ إضافية أو دفع رسوم جديدة مقابل إعادة تفعيل الحساب، إلا أن الأموال لم تُسترد، واختفت المنصة تدريجياً، ليدرك لاحقاً أنه وقع ضحية عملية احتيال إلكتروني أفقدته كامل مدخراته.
ويحذر عمار الآخرين من الانجرار وراء الوعود بتحقيق أرباح سريعة، مؤكداً أن خسارته لم تقتصر على المال فحسب، بل امتدت إلى فقدان الثقة بأي منصة رقمية غير معروفة أو مرخصة.
استرداد الأموال… مهمة معقدة
يشير شواخ إلى أن الأموال المحولة عبر المحافظ المشفرة أو المحافظ الباردة يصعب تتبعها واستعادتها، خاصة عندما تكون الجهات المشغلة للمنصة مجهولة الهوية أو تعمل خارج الأطر القانونية، وهو ما يجعل فرص استرجاع الأموال محدودة للغاية بعد تنفيذ عمليات الاحتيال.
ماذا يقول القانون السوري؟
يجرّم قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية السوري رقم 20 الأفعال المتعلقة بالاحتيال الإلكتروني والاستيلاء على الأموال عبر الشبكات الإلكترونية، وينص على عقوبات تشمل السجن لسنوات عدة وغرامات مالية كبيرة بحق مرتكبي جرائم النصب والاحتيال الرقمي، إضافة إلى الملاحقة القضائية لكل من يشارك في إدارة منصات احتيالية أو الترويج لها.
إذ إن تطبيق القانون، إلى جانب تعزيز الرقابة على المنصات المالية الرقمية، يُعدّ من أهم الوسائل للحد من انتشار هذا النوع من الجرائم، وفق ما أكده شواخ.
دعوات إلى رفع الوعي
ومع تزايد اعتماد السوريين على الحلول الرقمية في التحويلات المالية، يؤكد خبراء أن الوقاية تبقى خط الدفاع الأول، من خلال عدم إيداع الأموال في منصات مجهولة أو غير مرخصة، وعدم الانسياق وراء الوعود بعوائد مالية خيالية، والتحقق دائماً من الوضع القانوني لأي محفظة أو منصة قبل استخدامها، فضلاً عن ضرورة نشر الثقافة الرقمية وتعزيز الرقابة الرسمية، التي باتت ضرورة ملحة لحماية أموال المستخدمين والحد من تكرار مثل هذه القضايا.