عاد تنظيم داعش إلى دائرة الاهتمام الأمني في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع تصاعد المخاوف من استغلال المرحلة الانتقالية لإعادة تنشيط خلاياه في شرق البلاد، مستفيداً من اتساع المناطق الصحراوية، واستمرار شبكات التهريب، والتحولات التي شهدها انتشار القوى العسكرية على امتداد الحدود مع العراق.
ورغم خسارة التنظيم آخر معاقله في سوريا والعراق عام 2019، فإن وجوده لم ينتهِ، فقد حافظ على خلايا صغيرة تنشط في البادية السورية وشرق الفرات، وتعتمد على الكمائن والعبوات الناسفة والهجمات المحدودة ضد القوات الأمنية، بدلاً من محاولة السيطرة على مدن أو مناطق واسعة.
ويؤكد الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، الدكتور سمير العبد الله، أن تنظيم داعش لا يتعامل مع الحدود السورية العراقية بوصفها خطاً فاصلاً بين دولتين، بل ينظر إليها بوصفها ساحة عمليات واحدة، وهو ما يجعل أي جهد أمني أحادي الجانب غير كافٍ للحد من نشاطه، ويضاعف أهمية التنسيق المستمر بين دمشق وبغداد.
وتتركز جهود الحكومتين حالياً على منع التنظيم من إعادة بناء شبكة اتصالات بين خلاياه المنتشرة على جانبي الحدود، إذ شكّلت هذه المنطقة خلال السنوات الماضية المسار الرئيسي لحركة عناصره وأسلحته ومصادر تمويله بين سوريا والعراق.
زيارة وزير الخارجية العراقي وملف مكافحة داعش
جاءت زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى دمشق في 29 حزيران/يونيو 2026 في إطار تعزيز العلاقات الثنائية، إذ تناولت المباحثات ملفات التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، إلى جانب التحديات المشتركة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب وتعزيز أمن الحدود.
وتأتي الزيارة في وقت يواجه فيه البلدان تحدياً مشتركاً يتمثل في منع داعش من استغلال أي حالة من عدم الاستقرار أو تراجع مستوى التنسيق الأمني. فمنذ سنوات، يعتمد التنظيم على سهولة الحركة عبر المناطق الحدودية، وعلى المسارات الصحراوية والطرق غير الرسمية التي تتيح نقل الأفراد والمعدات بعيداً عن الرقابة.
وفي هذا السياق، يرى العبد الله أن تعزيز الانتشار العسكري على الحدود يجب أن يترافق مع تنسيق استخباراتي دائم، وتبادل فوري للمعلومات، وإنشاء قاعدة بيانات مشتركة للمطلوبين، وتطوير نظام إنذار مبكر، إلى جانب توظيف وسائل المراقبة الحديثة، مثل الطائرات المسيّرة والكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار، للحد من قدرة التنظيم على استغلال المسالك الصحراوية وشبكات التهريب.
الحدود والبادية… ساحة الحركة الأساسية
تمتد الحدود السورية العراقية لنحو 600 كيلومتر، وتشكل إحدى أهم المناطق في استراتيجية داعش الحالية. فالتنظيم فقد قدرته على إدارة الأراضي، لكنه لا يزال يعتمد على المساحات الصحراوية المفتوحة التي توفر له بيئة مناسبة للتخفي وإعادة التموضع والتنقل.
وتستخدم خلايا التنظيم المناطق الممتدة من ريف حمص الشرقي وصولاً إلى دير الزور والحدود العراقية بوصفها مناطق للاختباء والتحرك، مستفيدة من صعوبة فرض سيطرة أمنية دائمة على هذه المساحات الواسعة.
ويشير العبد الله إلى أن نجاح ضبط الحدود لا يُقاس بعدد القوات المنتشرة، وإنما بقدرة الحكومتين على تعطيل شبكات التمويل والتهريب والإسناد المحلي التي يعتمد عليها التنظيم. ويوضح أن داعش لم يعد بحاجة إلى أرتال من المقاتلين أو كميات كبيرة من الأسلحة، إذ تكفيه مجموعات صغيرة وموارد مالية محدودة لتنفيذ عمليات بالعبوات الناسفة أو الكمائن أو الاغتيالات، وهو ما يجعل العمل الاستخباراتي أكثر أهمية من الانتشار العسكري التقليدي.
كما تمثل البادية ممراً لشبكات تهريب متعددة، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني، إذ توفر الطرق غير الرسمية بيئة يمكن أن تستفيد منها خلايا التنظيم إذا تمكنت من الوصول إلى تلك الشبكات.
التهريب والسوق السوداء
أدت سنوات الحرب إلى نشوء اقتصاد تهريب واسع في شرق سوريا وعلى الحدود العراقية، شاركت فيه مجموعات مسلحة وشبكات محلية وتجار يعملون خارج إطار الدولة.
وتثير هذه الشبكات قلقاً أمنياً بسبب قدرتها على توفير خدمات النقل والإخفاء لأي جهة قادرة على الدفع، بما في ذلك التنظيمات المسلحة.
ولا توجد معلومات موثقة تثبت وجود تعاون مباشر بين داعش والميليشيات المدعومة من إيران، إلا أن استمرار طرق التهريب التي استخدمتها تلك الجماعات خلال السنوات الماضية قد يتيح للتنظيم فرصاً للحصول على السلاح أو نقل عناصره عبر وسطاء مستقلين.
كما أن طبيعة السوق السوداء تجعل ضبط مصادر السلاح أكثر صعوبة، خاصة مع انتشار كميات كبيرة من الأسلحة نتيجة سنوات الحرب.
السلاح واحتمالات وصوله إلى داعش
يمثل انتشار الأسلحة الخفيفة خارج مؤسسات الدولة أحد أبرز التحديات الأمنية في سوريا بعد سقوط النظام.
وتتداول بعض التقارير معلومات عن قيام جهات مرتبطة بمحور إيران، من بينها عناصر من حزب الله اللبناني، ببيع أسلحة خفيفة أو تصريفها داخل سوريا، نتيجة صعوبة نقلها وارتفاع تكاليف تهريبها، إلا أن هذه المعلومات لم تؤكدها مصادر مستقلة.
وفي حال استمرار توسع تجارة السلاح غير الشرعية، فقد يمنح ذلك داعش فرصة للحصول على أسلحة عبر السوق السوداء، كما حدث في مراحل سابقة عندما اعتمد التنظيم على مصادر متعددة لتسليح خلاياه.
الميليشيات الإيرانية والفراغ الأمني
شهدت مناطق شرق سوريا خلال السنوات الماضية انتشاراً واسعاً لميليشيات مرتبطة بإيران، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود العراقية.
ومع تغير المشهد السوري بعد سقوط النظام، أصبحت إعادة انتشار هذه القوى عاملاً مؤثراً في الوضع الأمني شرقي البلاد، إذ إن أي فراغ مؤقت أو صراع على النفوذ قد يمنح داعش مساحة لإعادة التموضع وتنشيط خلاياه.
ولا تشير المعطيات المتوافرة إلى وجود تعاون بين داعش وهذه المجموعات، بل خاض الطرفان مواجهات مباشرة خلال السنوات الماضية، إلا أن التنظيم يستفيد تاريخياً من الفوضى وتعدد القوى المسلحة وضعف السيطرة المركزية.
هجمات داعش بعد سقوط النظام
منذ سقوط الأسد، ركز داعش عملياته على شرق سوريا والبادية، مستهدفاً القوات الحكومية عبر هجمات محدودة تعتمد على الكمائن والعبوات الناسفة.
وخلال عام 2025، نفذ التنظيم سلسلة عمليات في دير الزور والبادية استهدفت دوريات ونقاطاً أمنية، في محاولة لإظهار استمرار قدرته على العمل رغم خسارته الأراضي التي كان يسيطر عليها.
وفي أيار/مايو 2025، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم استهدف آلية عسكرية في منطقة الصفا، في واحدة من أولى العمليات التي تبناها ضد القوات الحكومية السورية الجديدة.
وفي 22 حزيران/يونيو 2025، استهدف هجومٌ كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، إذ أعلنت الحكومة السورية مسؤولية تنظيم داعش عنه، قبل أن يتبنى التنظيم العملية لاحقاً. وشكل هذا الهجوم تحولاً لافتاً في نمط نشاط التنظيم، بعدما أعاد استهداف العاصمة عقب فترة ركز خلالها على المناطق الصحراوية والشرقية.
ويصف العبد الله النشاط الحالي للتنظيم بأنه يجمع بين إعادة البناء التنظيمي واستمرار حرب الاستنزاف، موضحاً أن داعش أعاد، خلال الأشهر الأولى من عام 2025، ترتيب شبكاته اللوجستية ومسارات الحركة، ثم وظفها في مواصلة هجمات منخفضة الكلفة تعتمد على الخلايا الصغيرة، من دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات على امتلاكه القدرة العسكرية التي تمكّنه من السيطرة على مدن أو الاحتفاظ بأراضٍ.
منع إعادة إنتاج تجربة 2014
لا يمتلك داعش اليوم القدرة التي مكّنته من السيطرة على مساحات واسعة في سوريا والعراق قبل أكثر من عقد، لكنه لا يزال قادراً على مواصلة نشاطه بوصفه تنظيم تمرد يعتمد على الاستنزاف.
ويؤكد العبد الله أن التنظيم ما يزال يشكل تهديداً أمنياً مرتفعاً في البادية السورية وشرق البلاد والمناطق الطرفية، لكنه لا يمثل، في المدى المنظور، تهديداً وجودياً للدولة السورية، ولا يمتلك المقومات اللازمة لإحياء نموذج «الخلافة». ويرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار تمرد منخفض الحدة يعتمد على الكمائن والاغتيالات والعبوات الناسفة والعمليات الرمزية، بهدف استنزاف الأجهزة الأمنية وإضعاف ثقة السكان بقدرة الدولة على فرض الاستقرار.
ويحذر من أن هذا التقدير قد يتغير إذا تعثرت عملية دمج القوات والأجهزة الأمنية، أو تصاعدت التوترات المحلية، أو شهدت السجون عمليات هروب واسعة، أو تراجع مستوى التعاون الاستخباراتي بين سوريا والعراق والشركاء الدوليين، ما قد يمنح التنظيم فرصة لتنفيذ عمليات أكثر تعقيداً واتساعاً.
ويضيف أن احتواء داعش يتطلب توحيد منظومة القيادة الأمنية، وتعزيز السيطرة على الحدود والبادية، ومعالجة ملف السجون والمخيمات، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، إلى جانب تحسين الخدمات والتنمية في المناطق الطرفية.
وفي المحصلة، لم تعد المعركة مع داعش بعد سقوط الأسد معركة استعادة مدن كما كانت عام 2014، بل أصبحت معركة منع التنظيم من استغلال الفراغات الأمنية لإعادة بناء شبكاته، وتحويل البادية والحدود السورية العراقية إلى قواعد انطلاق لتمرد طويل الأمد يستنزف الدولة ويعرقل جهودها في ترسيخ الاستقرار.