سباق الساعات الأخيرة.. الأسواق تستعد لوداع العملة القديمة

حجم الخط

مع اقتراب انتهاء مهلة استبدال العملة السورية القديمة، دخلت الأسواق مرحلة من الترقب والحذر، بعدما بدأت الأوراق النقدية القديمة تفقد حضورها في التعاملات اليومية، حتى قبل انتهاء صلاحيتها القانونية.

وفي عدد من المدن، امتنع تجار وسائقو وسائل النقل عن قبولها خشية بقائها بحوزتهم بعد انقضاء المهلة، بينما تصاعد الإقبال على مراكز الاستبدال، في محاولة من المواطنين لإنجاز معاملاتهم خلال الساعات الأخيرة.

واعتباراً من 31 تموز، تفقد الأوراق النقدية القديمة قوتها الإبرائية، فلا تعود صالحة للتداول في عمليات البيع والشراء، لتبدأ مرحلة جديدة تمتد خمس سنوات، يقتصر خلالها استرداد قيمتها على مصرف سوريا المركزي في دمشق، وفق إجراءات تختلف عن آلية الاستبدال المباشر.

وتمثل هذه الخطوة محطة جديدة في مسار إعادة تنظيم الكتلة النقدية، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن سهولة وصول المواطنين إلى أموالهم، ولا سيما المقيمين في المحافظات البعيدة.

الأسواق تسبق القرار

على الرغم من استمرار صلاحية الأوراق القديمة حتى نهاية يوم 30 تموز، بدأ كثير من المتعاملين في الأسواق يتصرفون وكأنها خرجت فعلياً من التداول.

وروت إحدى راكبات حافلات النقل العام في دمشق لموقع «سوريا 24» أن السائق رفض تسلّم ورقة نقدية قديمة، وأصر على الدفع بالإصدار الجديد، قبل أن يطلب منها مغادرة الحافلة لعدم امتلاكها بديلاً. وقالت إن مثل هذه المواقف باتت تتكرر بصورة شبه يومية، مع تصاعد الجدل بين الركاب والسائقين بشأن الأوراق المقبولة.

ولم يقتصر الأمر على قطاع النقل، إذ سارع عدد من أصحاب المحال التجارية إلى التخلص من مخزونهم من العملة القديمة، فيما علّقت بعض المتاجر والمطاعم إشعارات تفيد بعدم قبولها، رغم بقائها صالحة قانونياً للتداول حتى نهاية المهلة.

وتشير متابعات ميدانية إلى تفاوت سرعة انتشار الإصدار الجديد بين المحافظات، إذ اتسع استخدامه في دمشق ومحيطها ومناطق من شمال سوريا، بينما استمرت الأوراق القديمة بالتداول بوتيرة أكبر في محافظات أخرى، بينها حماة والمنطقة الشرقية وأجزاء من حلب.

وقال أبو محمد السكري، من سكان دمشق، لموقع «سوريا 24»، إن الأيام الأخيرة تحولت إلى «سباق مع الوقت»، في ظل ازدحام مراكز الاستبدال وخشية كثيرين، ولا سيما كبار السن وأصحاب المبالغ المحدودة، من عدم إنجاز معاملاتهم قبل انتهاء المهلة.

بدوره، أشار التاجر عبد الرحمن السمان إلى أن عدداً متزايداً من أصحاب المحال أصبحوا يتجنبون قبول الأوراق القديمة خشية بقائها لديهم بعد انتهاء المهلة، ما انعكس على حركة البيع والشراء خلال الأيام الأخيرة.

الفئات الصغيرة.. تحدٍّ يومي

بالتوازي مع تسارع عملية الاستبدال، برزت مشكلة أخرى تتمثل في محدودية توافر الفئات النقدية الصغيرة من الإصدار الجديد، وهي الأكثر استخداماً في التعاملات اليومية.

وتفيد مشاهدات ميدانية بأن الفئات ذات القيم الكبيرة أصبحت أكثر انتشاراً، في حين لا تزال فئات العشرة والـ25 والـ50 ليرة أقل توافراً، ما دفع بعض المحال إلى استخدام ما تبقى لديها من الأوراق القديمة لتسوية فروق الأسعار.

ويرى مختصون أن استمرار هذا النقص قد يدفع بعض التجار إلى تقريب الأسعار إلى الأعلى، أو اللجوء إلى بدائل لتعويض نقص «الفكة»، بما قد ينعكس تدريجياً على القوة الشرائية للمستهلكين إذا لم تُضخ الفئات الصغيرة بالكميات الكافية.

ويؤكد اقتصاديون أن نجاح عملية الإصلاح النقدي لا يرتبط بسحب الأوراق القديمة من التداول فحسب، بل يتطلب أيضاً توفير جميع فئات الإصدار الجديد بكميات كافية، بما يضمن استمرار التعاملات اليومية من دون اضطرابات في الأسواق.

الساعات الأخيرة قبل انتهاء المهلة

حتى نهاية يوم 30 تموز، تبقى الأوراق النقدية القديمة صالحة قانونياً لتسديد الالتزامات وشراء السلع والخدمات أو إيداعها لدى الجهات المعتمدة.

إلا أن تزايد حالات رفضها في الأسواق جعل الاستبدال أو الإيداع عبر القنوات الرسمية الخيار الأكثر أماناً بالنسبة إلى كثير من المواطنين. وفي الوقت نفسه، اتجه بعض التجار إلى تقليل التعاملات النقدية والاعتماد على التحويلات المصرفية كلما أمكن، رغم محدودية انتشار وسائل الدفع الإلكتروني خارج المدن الكبرى.

مرحلة جديدة لسحب العملة

اعتباراً من 31 تموز، تنتقل عملية سحب الأوراق النقدية القديمة إلى مرحلة مختلفة، إذ تتوقف عن كونها خدمة متاحة عبر مراكز الاستبدال في المحافظات، وتصبح إجراءً حصرياً لدى مصرف سوريا المركزي في دمشق، يستمر خمس سنوات.

وبحسب الآلية المعلنة، يُشترط تقديم ما لا يقل عن مئة ورقة نقدية من الفئة الواحدة، على أن تخضع الأوراق للتدقيق قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة، من دون تسليم قيمتها نقداً أو فرض رسوم وعمولات.

ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن هذه الآلية تضمن عدم ضياع القيمة المالية للأوراق القديمة، لكنها تفرض متطلبات إضافية على شريحة من المواطنين، ولا سيما من لا يمتلكون حسابات مصرفية أو يقيمون بعيداً عن دمشق، إذ يتعين عليهم فتح حسابات واستكمال إجراءات إضافية قبل استرداد أموالهم.

وفي المقابل، تشير تقديرات مصرفية إلى أن حصر عمليات السحب بالمصرف المركزي وربطها بالحسابات المصرفية يمنح السلطات النقدية قدرة أكبر على تتبع الأموال المتبقية خارج الدورة المصرفية، والتحقق من مصادرها وتنظيم إخراج الأوراق القديمة من التداول، بما يعزز أدوات إدارة الكتلة النقدية.

لكن اقتصاديين يحذرون من أن اقتصار العملية على دمشق قد يفرض أعباء إضافية على سكان المحافظات البعيدة، من حيث تكاليف السفر والوقت اللازم لإنجاز المعاملات. كما قد يفتح المجال أمام وسطاء يشترون الأوراق القديمة من المواطنين مقابل اقتطاع جزء من قيمتها، ما يبرز الحاجة إلى توسيع قنوات استقبال طلبات السحب أو اعتماد آليات مصرفية تخفف الأعباء عن المواطنين.

ماذا أنجزت عملية الاستبدال؟

أعلن مصرف سوريا المركزي خلال الأشهر الماضية أن نسبة استبدال العملة القديمة تجاوزت، في مراحل مختلفة، 63% قبل أن تقترب من 80%. إلا أن غياب بيانات تفصيلية توضح توزيع عمليات الاستبدال بين المحافظات والفئات النقدية المختلفة يجعل من الصعب تقدير حجم الكتلة النقدية التي لا تزال خارج الجهاز المصرفي بدقة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى تفاوت واضح بين المحافظات، إذ استمرت الأوراق القديمة بالتداول حتى الأيام الأخيرة من المهلة، وإن بوتيرة متفاوتة، بالتزامن مع نقص بعض الفئات الجديدة، ما يعكس اختلاف سرعة الانتقال إلى الإصدار الجديد بين منطقة وأخرى.

ويرى مختصون أن نجاح عملية الاستبدال لا يُقاس بنسبة الأوراق المسحوبة فحسب، بل بقدرة المصرف المركزي على إيصال السيولة الجديدة إلى مختلف المحافظات، وضمان استمرار التعاملات اليومية بصورة طبيعية، من دون اختناقات في الأسواق أو نقص في الفئات الأكثر تداولاً.

بين الرقابة وتيسير الوصول إلى الأموال

لا تقتصر المرحلة الجديدة على استبدال أوراق نقدية قديمة، بل تمثل تحولاً في آلية إدارة الكتلة النقدية، من خلال تعزيز الاعتماد على القنوات المصرفية وربط استرداد قيمة العملة القديمة بإجراءات رقابية تهدف إلى إحكام إدارة السيولة.

وقالت الباحثة الاقتصادية حنان خليف لموقع «سوريا 24» إن ربط عمليات السحب بالحسابات المصرفية يتيح تتبع حركة الأموال المتبقية خارج الدورة المصرفية، ويعزز جهود مكافحة غسل الأموال، كما يمنح مصرف سوريا المركزي قاعدة بيانات أدق عن الكتلة النقدية المتداولة خارج القطاع المصرفي.

وفي المقابل، رأى أستاذ الاقتصاد زكوان قريط أن نجاح هذه السياسة لا يتوقف على أهدافها التنظيمية والرقابية فحسب، بل يعتمد أيضاً على قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات المصرفية والاستفادة منها.

وأكد قريط أن نجاح السياسة سيظل مرهوناً بثقة المواطنين بالمصارف وسهولة حصولهم على خدماتها، محذراً من أن تعقيد الإجراءات أو صعوبة الوصول إليها قد يحدان من النتائج المرجوة، مهما كانت الأهداف الرقابية والاقتصادية التي تستند إليها الخطوة.

وبذلك، يعتمد نجاح المرحلة المقبلة على قدرة مصرف سوريا المركزي على تحقيق توازن بين متطلبات الرقابة المالية وتيسير وصول المواطنين إلى أموالهم، بما يعزز الثقة بالقطاع المصرفي ويشجع على توسيع استخدام القنوات الرسمية في التعاملات المالية.

بين السيولة والتضخم

رغم أن انتهاء مهلة التداول يمثل محطة مفصلية في عملية استبدال العملة، يرى اقتصاديون أن الأثر الحقيقي لهذه الخطوة لن يتحدد بمجرد خروج الأوراق القديمة من التداول، بل بقدرة مصرف سوريا المركزي على إدارة المرحلة اللاحقة، وضمان توافر السيولة الكافية واستقرار حركة السوق.

ولا يشكل استبدال الأوراق النقدية، في حد ذاته، أداة كافية لخفض معدلات التضخم أو دعم سعر صرف الليرة، ما لم يترافق مع سياسات نقدية واقتصادية أوسع تعزز النشاط الإنتاجي، وتحسن بيئة الاستثمار، وتدعم استقرار المالية العامة.

كما لا يقتصر نجاح العملية على الحفاظ على القيمة الاسمية للأموال، بل يرتبط أيضاً بسهولة وصول المواطنين إلى مدخراتهم، إذ قد ينعكس أي تأخير في تدقيق الأوراق أو تحويل قيمتها إلى الحسابات المصرفية على النشاط الاقتصادي، في ظل اعتماد شريحة واسعة من السوريين على التعاملات النقدية اليومية.

وقد يحد استمرار شح السيولة من الأثر الإيجابي للعملية، حتى مع نجاحها في ضبط الكتلة النقدية، ما يجعل تسريع إعادة ضخ الأموال في الأسواق وتوسيع الخدمات المصرفية عاملين أساسيين للحيلولة دون تحول نقص السيولة إلى عبء على النشاطين التجاري والاستثماري.

ويبقى توافر الفئات النقدية الصغيرة أحد التحديات التي تراقبها الأسواق، إذ قد يدفع استمرار نقصها بعض التجار إلى تقريب الأسعار أو اللجوء إلى بدائل لتسوية الفروق، بما قد يؤثر تدريجياً في القوة الشرائية للمستهلكين إذا لم تُعالج هذه الفجوة خلال الفترة المقبلة.

اختبار للسياسة النقدية

مع انتهاء مهلة التداول، تدخل سوريا مرحلة جديدة من إدارة الكتلة النقدية، يسعى خلالها مصرف سوريا المركزي إلى تعزيز الرقابة على السيولة وربط استرداد قيمة الأوراق القديمة بالقنوات المصرفية الرسمية، فيما يترقب المواطنون مدى سهولة استعادة أموالهم، ولا سيما في المحافظات البعيدة عن دمشق.

وسيظل نجاح هذه المرحلة مرهوناً بقدرة المصرف المركزي على تحقيق التوازن بين متطلبات الرقابة المالية وضمان وصول المواطنين إلى أموالهم بسلاسة، إلى جانب توفير السيولة والفئات النقدية اللازمة لاستقرار التعاملات اليومية. وستكشف الأشهر المقبلة مدى قدرة هذه الإجراءات على ترسيخ الثقة بالإصدار الجديد وتعزيز استقرار السوق والنظام النقدي.