ريف حلب: ارتفاع أسعار مواد البناء يعرقل عودة مهجّري تل رفعت

حجم الخط

كل صباح، يخرج خالد المحمد من خيمته في ريف حلب الشمالي، وينظر نحو مدينته التي لا تبعد سوى بضعة كيلومترات. هناك يقبع منزله المدمّر، فيما يقضي أطفاله عاماً جديداً بعيداً عن المكان الذي وُلدوا فيه. لم تعد المسافة ما يمنعه من العودة، بل كلفة إعادة بناء ما تهدّم.

بعد نحو عام ونصف على تحرير تل رفعت، لم تعد عودة آلاف المهجّرين مرتبطة بالأوضاع الأمنية بقدر ارتباطها بقدرتهم على شراء الإسمنت والحديد والبلوك. فالمنازل التي دمّرتها سنوات الحرب تحتاج إلى إعادة إعمار، لكن ارتفاع أسعار مواد البناء، بحسب الأهالي والتجار، جعل هذا الهدف بعيد المنال بالنسبة إلى الأسر الأكثر فقراً.

ويقول خالد المحمد، وهو مهجّر من مدينة تل رفعت، لموقع «سوريا 24»، إن عائلته ما تزال تقيم في المخيم بعدما دُمّر منزلها بالكامل، مضيفاً أن معظم الذين بقوا في المخيمات حتى اليوم لا يملكون القدرة على تحمّل تكاليف العودة.

ويضيف: «كنا نعتقد أن انتهاء المعارك سيعني بداية العودة، لكننا اكتشفنا أن العقبة الجديدة هي أسعار مواد البناء»، مشيراً إلى أن «ترميم منزل بسيط أصبح يحتاج إلى مبالغ لا تستطيع معظم العائلات توفيرها».

ويتابع أن آلاف الأسر الباقية في المخيمات لم تعد تطالب بمساعدات استثنائية، بل بإجراءات تخفّض كلفة إعادة الإعمار، وفي مقدمتها ضبط أسعار مواد البناء وتقديم دعم للأسر الراغبة في ترميم منازلها، حتى تتمكن من مغادرة الخيام والعودة إلى مناطقها بعد أكثر من عشر سنوات من النزوح.

ارتفاعات متتالية

لا تبدو معاناة خالد حالة فردية، إذ يتحدث تجار مواد البناء في المنطقة عن ارتفاعات متواصلة في الأسعار، انعكست مباشرة على حركة البناء وقدرة الأهالي على ترميم منازلهم.

ويقول أبو يحيى، وهو تاجر مواد بناء في ريف حلب، لموقع «سوريا 24»، إن سعر طن الإسمنت الأسود ارتفع من 123 دولاراً إلى 135 دولاراً، فيما زاد سعر طن الإسمنت الأبيض التركي من 160 إلى 180 دولاراً.

ووفقاً لأبو يحيى، ارتفع سعر طن الحديد من 652 دولاراً إلى 700 دولار، بينما زاد سعر قطعة البلوك المفرّغ بقياس 15 سنتيمتراً من 0.32 إلى 0.36 دولار، وبلوك 12 سنتيمتراً من 0.27 إلى 0.32 دولار، وبلوك 10 سنتيمترات من 0.25 إلى 0.30 دولار، في حين ارتفع سعر بلوك «الهوردي» من 0.37 إلى 0.42 دولار للقطعة.

ولم تكن أسعار مواد الردميات بمنأى عن الارتفاع، إذ زاد سعر المتر المكعب من النحاتة الطرية من 12 إلى 13 دولاراً، والنحاتة القاسية من 11 إلى 12 دولاراً، كما ارتفع سعر «النجفة» من 4.5 دولارات إلى 6 دولارات.

ويشير أبو يحيى إلى أن بعض المواد شهدت زيادات أكبر، إذ ارتفع سعر طن الإسمنت المتداول في بعض الأسواق من 85 دولاراً إلى 130 دولاراً، فيما قفز سعر مادة «الترسيم» من 12 دولاراً إلى 189 دولاراً للطن، ما رفع كلفة البناء والترميم بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل أشهر.

ويرى أن هذه الزيادات انعكست مباشرة على حجم الطلب، إذ بات كثير من الأهالي يكتفون بإجراء إصلاحات محدودة، أو يؤجلون إعادة البناء بالكامل، في انتظار انخفاض الأسعار.

العودة تصطدم بكلفة الإعمار

تتجاوز آثار هذه الزيادات سوق البناء، لتطول أحد أكثر ملفات التعافي حساسية في شمال سوريا: عودة المهجّرين إلى مناطقهم.

ووفق تقديرات أممية، لا تزال المساكن المتضررة، وضعف الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف إعادة الإعمار، من أبرز العقبات التي تعرقل العودة المستدامة للعائلات السورية، رغم تحسن الوضع الأمني في عدد من المناطق.

وفي هذا السياق، دخلت التعرفة الجمركية السورية الجديدة حيز التنفيذ خلال حزيران/يونيو الماضي، في إطار إصلاحات قالت الحكومة إنها تهدف إلى تبسيط النظام الجمركي ودعم الإنتاج المحلي.

وأكد مسؤولون خفض الرسوم المفروضة على عدد من المواد الأولية والسلع الأساسية، مقابل رفعها على بعض السلع التي يتوافر لها بديل محلي، بهدف حماية الصناعة الوطنية وتعزيز الإيرادات العامة.

إلا أن تجاراً في قطاع البناء يؤكدون أن هذه الإجراءات لم تنعكس حتى الآن على أسعار البيع في الأسواق، التي واصلت تسجيل ارتفاعات متتالية، ما أبقى كلفة إعادة الإعمار فوق قدرة شريحة واسعة من السكان.

وتشير تقارير صادرة عن البنك الدولي إلى أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار لا يرتبط بإزالة الأنقاض أو إصلاح البنية التحتية فحسب، بل أيضاً بقدرة الأسر على تحمّل كلفة إعادة بناء منازلها.

وفي بلد خرج من حرب طويلة، تتحول أسعار الإسمنت والحديد والبلوك إلى مؤشرات اجتماعية بقدر ما هي اقتصادية، لأنها تحدد عملياً من يستطيع العودة إلى منزله ومن يبقى في المخيم.

وبالنسبة إلى خالد المحمد، تبدو المعادلة أكثر قسوة مما كانت عليه خلال سنوات الحرب. فالمدينة أصبحت مفتوحة، والطريق إلى منزله لم يعد يقطعه حاجز عسكري أو خط تماس أو رصاصة قنّاص، لكن كيس الإسمنت وطن الحديد باتا يشكلان الحاجز الأصعب أمام عودته.