على الضفة الشرقية لنهر الفرات، في أقصى ريف دير الزور الشرقي، يرتفع جبل العرسي، المعروف محلياً باسم «جهفة الباغوز»، بوصفه أحد أكثر المواقع اختزالاً لمفارقات الشرق السوري.
فالموقع الذي ارتبط في الذاكرة المحلية بروايات عن حضارات قديمة ومجارٍ مائية تاريخية، تحوّل خلال سنوات الحرب إلى مسرح شهد النهاية العسكرية لما سمّاه تنظيم الدولة «دولة الخلافة»، قبل أن يبقى شاهداً على دمار لم تغادر آثاره المكان حتى اليوم.
تقع الباغوز على الحدود السورية–العراقية، عند واحدة من أكثر النقاط حساسية على ضفاف الفرات. وقد منحها موقعها أهمية تجارية وعسكرية عبر التاريخ، لكنه جعلها أيضاً ساحة للصراع خلال الحرب السورية.
وبعد تمدد تنظيم الدولة في ريف دير الزور بين عامي 2014 و2017، أصبحت البلدة جزءاً من آخر المساحات التي بقيت تحت سيطرته، قبل أن ينحصر وجوده تدريجياً في شريط ضيق حول جهفة الباغوز ومخيماتها، مع تقدم قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي.
جبل يسبق الحرب بآلاف السنين
يقول محمد الطعمة، أحد أبناء البلدة، لـ«سوريا 24»، إن جهفة الباغوز لم تكن بالنسبة إلى الأهالي مجرد مرتفع صخري يطل على الفرات، بل كانت جزءاً من هوية المنطقة وذاكرتها التاريخية.
ويشير إلى أن الروايات الشعبية المتوارثة تتحدث عما يُعرف بـ«مملكة دورين» و«ملكة الباغوز»، التي يُقال إنها أمرت بشق «نهر دورين» خلال الألفية الثالثة أو الثانية قبل الميلاد، ليشكّل فاصلاً بين الممالك المجاورة، فضلاً عن دوره في الري والدفاع.
ويضيف أن آثار مجرى النهر القديم ما تزال ظاهرة أسفل كهف الباغوز، بينما يقف تل الباغوز الأثري شاهداً على قدم الاستيطان البشري في المنطقة، رغم أن الموقع لم يشهد حتى اليوم أعمال تنقيب أثرية واسعة تكشف طبقاته التاريخية.
ويؤكد الطعمة أن الكهوف المنتشرة في الجهفة شكّلت قبل الحرب جزءاً من الحكايات الشعبية التي تناقلها أبناء المنطقة، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مواقع عسكرية، ويرتبط اسمها بالحرب أكثر من ارتباطه بالتاريخ.
حين أصبحت الجهفة آخر معاقل التنظيم
مع انحسار سيطرة تنظيم الدولة في شرق سوريا أواخر عام 2018، تراجع مقاتلوه نحو الباغوز، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة للجهفة، بما تضمّه من كهوف ومنحدرات صخرية، لإقامة خطوط دفاعهم الأخيرة.
وانتشرت الخنادق والأنفاق والعبوات الناسفة في محيط الجبل، لتتحول المنطقة إلى واحدة من أعقد ساحات القتال في الحرب ضد التنظيم.
واستمرت المعركة أشهراً، تخللتها عمليات إجلاء لآلاف المدنيين وعائلات مقاتلي التنظيم، فيما تعرضت المنطقة لقصف جوي ومدفعي مكثف. وفي 23 آذار/مارس 2019، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية انتهاء السيطرة المكانية للتنظيم في سوريا، بعد سقوط آخر جيوبه في الباغوز.
ويرى أبناء البلدة أن تلك المعركة غيّرت ملامح الجهفة بالكامل، إذ لم تقتصر آثارها على المخيمات والمنازل، بل امتدت إلى السفوح والكهوف، التي تحولت من معالم طبيعية وتاريخية إلى مواقع تحمل آثار الانفجارات والتحصينات العسكرية.
ذاكرة المدنيين لا تقل قسوة عن المعركة
يقول الطعمة إن المدنيين الذين بقوا داخل المنطقة خلال الحصار عاشوا واحدة من أقسى المراحل التي مرت بها الباغوز، في ظل نقص الغذاء والمياه والدواء، واستمرار القصف وصعوبة مغادرة المنطقة.
ويضيف أن تلك الأشهر تركت جروحاً لا تزال حاضرة في ذاكرة السكان، الذين يتذكرون الجهفة لا باعتبارها آخر ساحات القتال فحسب، بل أيضاً بوصفها المكان الذي عاشوا فيه ظروفاً إنسانية بالغة القسوة.
مقابر جماعية تنتظر الكشف
لا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة، بحسب الطعمة، من خلال وجود ثلاث مقابر جماعية في محيط الجهفة أسفل الجبل، وفق ما يتداوله أبناء المنطقة.
ويطالب الطعمة بالكشف عن هذه المواقع وتوثيقها وتحديد هويات الضحايا، معتبراً أن ملف المفقودين يمثل أحد أكثر الملفات الإنسانية إلحاحاً بالنسبة إلى سكان الباغوز، وأن طي صفحة الحرب لا يكتمل من دون كشف مصير المفقودين وإزالة آثار المعركة.
إرث الحرب يثقل حاضر الباغوز
لا يقتصر تأثير المعارك على ذاكرة السكان، بل يمتد إلى الواقع الخدمي الذي لا يزال يعاني آثار الدمار.
ويقول فرحان خلفان الداود، وهو مدرس من أبناء البلدة، لـ«سوريا 24»، إن الباغوز ما تزال تفتقر إلى معظم الخدمات الأساسية، وإن سكانها يعيشون ظروفاً صعبة نتيجة تأخر مشاريع إعادة التأهيل.
ويضيف أن المدارس تحتاج إلى الترميم والتجهيز، فيما يعاني القطاع الصحي ضعف الإمكانات، بالتزامن مع غياب شبكة كهرباء مؤهلة وتضرر واسع في شبكات المياه.
ويشير إلى أن نحو 70 في المئة من الطرق والبنية التحتية تعرضت للدمار خلال سنوات الحرب، ما يجعل إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق أولوية أساسية لإعادة الحياة الطبيعية إلى البلدة.
وهكذا تبدو جهفة الباغوز اليوم أكثر من مجرد موقع شهد نهاية السيطرة المكانية لتنظيم الدولة؛ فهي مساحة تختزن طبقات متعاقبة من التاريخ، تمتد من المرويات القديمة إلى أحد أكثر فصول الحرب السورية دموية، فيما لا يزال سكان البلدة ينتظرون أن تتحول نهاية المعركة العسكرية إلى بداية فعلية للتعافي وإعادة الإعمار.


