تستعد وزارة الزراعة لإطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل الغطاء النباتي وتحديث القطاع الزراعي، باستثمارات تُقدّر بنحو 500 مليون دولار على مدى ثماني سنوات، ضمن خطة تستهدف زراعة 15 مليون شجرة وإنشاء بساتين حديثة للزيتون والفستق الحلبي، وفق ما أفاد به مدير الدراسات في الوزارة، الدكتور مصطفى زكية، لموقع “سوريا 24”.
وكان هدف زراعة 15 مليون شجرة قد أُعلن للمرة الأولى في 15 تموز/يوليو الجاري، عقب توقيع وزارة الزراعة مذكرة تفاهم مع شركة الجميل “M” لتطوير إنتاج الزيتون والفستق الحلبي والاستثمار في البساتين الحديثة.
وبحسب الإعلان عن توقيع المذكرة، فإنها تأتي ضمن خطة للتنمية الزراعية الشاملة، تتضمن زراعة 15 مليون شجرة خلال ثماني سنوات، وإنشاء مراكز لتدريب وتأهيل الكوادر، وتعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز البحوث، واستخدام التقنيات الزراعية الذكية. ولم يتضمن الإعلان الرسمي حينها تقديرًا للقيمة الإجمالية للاستثمارات، التي حددها زكية في تصريحه لـ”سوريا 24” بنحو 500 مليون دولار.
وقال زكية إن الوزارة تحضر، بالتعاون مع الوزارات والمحافظات والبلديات وعدد من المنظمات والجهات المعنية، لحملة وطنية شاملة لتعويض الأشجار التي فُقدت خلال السنوات الماضية، ولا سيما أشجار الزيتون والفستق الحلبي والأشجار الحراجية.
وأضاف أن الحملة ستنفذ بمشاركة مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي والطلبة، على أن يجري توزيع نحو مليوني شتلة وفق احتياجات المحافظات وأولوية المواقع، مع إعطاء الأفضلية للمناطق الأكثر تضررًا من العمليات العسكرية.
وأوضح أن اختيار المواقع سيخضع لجملة من المعايير، تشمل حجم الضرر، وخلو الأراضي من الألغام ومخلفات الحرب، وإمكانية الوصول إليها، ومدى توافر الظروف المناسبة لضمان استدامة الأشجار بعد زراعتها.
وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في 15 تموز قد تضمنت أيضًا توفير مليوني غرسة، من بينها 300 ألف غرسة توزع مجانًا ضمن حملات إعادة التشجير، إلى جانب إنشاء بساتين حديثة ومركز لتدريب المزارعين والكوادر الزراعية.
مشاريع أولية في حمص وحماة والرقة
وبحسب زكية، قد تشمل المرحلة الأولى من البرنامج تنفيذ مشاريع في ستة مواقع موزعة ضمن محافظات حمص وحماة والرقة، على أن تضم أربعة مشاريع لإنشاء بساتين حديثة للزيتون والفستق الحلبي، إضافة إلى مركز للتدريب والتأهيل.
وأشار إلى أن المواقع النهائية لم تعتمد بعد، إذ ستخصص الأشهر الستة الأولى لإجراء الدراسات الفنية، وتقييم الأراضي ومصادر المياه، واختيار المواقع والمحاصيل والأصناف المناسبة، ووضع الخطط التنفيذية، وإطلاق البرامج التدريبية.
وأضاف أن السنتين الأولى والثانية ستشهدان إنشاء المشاريع النموذجية وبدء نقل التقنيات الزراعية الحديثة إلى المزارعين، فيما تتوسع برامج التدريب والدعم اعتبارًا من السنة الثانية.
نقل التكنولوجيا وتدريب المزارعين
وقال زكية إن المشروع لا يقتصر على زيادة أعداد الأشجار، بل يستهدف بناء منظومة زراعية متكاملة تقوم على نقل المعرفة وتطوير مهارات المزارعين والكوادر الزراعية.
وتتضمن الخطة إنشاء مركز تدريب بالتعاون مع شركات عالمية، وتنظيم ندوات حقلية وبرامج تدريبية دورية داخل المزارع النموذجية، بهدف تعريف المزارعين بمفاهيم الزراعة الحديثة والزراعة التعاقدية وإدارة البساتين.
وأوضح أن اختيار المستفيدين من برامج التدريب والدعم سيجري وفق الاحتياجات والتوزع الجغرافي ونوعية المحاصيل، بالتنسيق بين وزارة الزراعة والجهات المختصة، متوقعًا استفادة مئات المزارعين خلال السنوات الأولى.
وتهدف الزراعة التعاقدية إلى ربط المنتجين بالجهات التي تشتري المحاصيل وتصنعها أو تسوقها، بما يتيح للمزارع معرفة احتياجات السوق وشروط الجودة والكميات المطلوبة قبل بدء الإنتاج.
أصناف جديدة وري ذكي
وبين زكية أن البرنامج يعتزم إدخال أصناف من الفستق الحلبي مطعمة على أصول قزمية، إلى جانب أصناف زيتون عالية الجودة والإنتاجية، بالتعاون مع الجامعات والهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية.
وتسمح الأصول القزمية، وفق زكية، بزيادة كثافة الأشجار في وحدة المساحة، وتسريع دخولها مرحلة الإنتاج، وتسهيل عمليات الخدمة والقطاف مقارنة ببعض أنماط الزراعة التقليدية.
كما تشمل الخطة استخدام أنظمة الري الذكي المعتمدة على مجسات قياس رطوبة التربة ومحطات الطقس، إلى جانب تقنيات الزراعة الدقيقة ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد.
وأضاف أن المشروع يعتزم الاستفادة من الطائرات المسيّرة في مراقبة الأراضي والبساتين، ومن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة الري ورصد الآفات الزراعية، فضلًا عن استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل أنظمة الضخ والري، والإدارة الرقمية للمزارع.
وأكد أن هذه التقنيات تستهدف خفض استهلاك المياه والطاقة، وتقليل استخدام المبيدات، وتحسين توقيت عمليات الري والتسميد والمكافحة، بما يساعد على رفع الإنتاجية وتقليل تكاليف التشغيل.
وتأتي هذه الخطط في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي السوري ضغوطًا متزايدة ناجمة عن تضرر البنية التحتية، وتراجع الموارد المائية، وتكرار مواسم الجفاف، إلى جانب خسارة مساحات من الغابات والبساتين بفعل الحرائق والاحتطاب والعمليات العسكرية خلال سنوات النزاع.
مراكز لتجميع المحاصيل وتسويقها
وقال زكية إن المزارعين سيستفيدون من خدمات التدريب والإرشاد منذ المراحل الأولى للبرنامج، بينما ستظهر النتائج الإنتاجية تدريجيًا مع اكتمال إنشاء البساتين ودخول الأشجار مرحلة الإثمار.
وتتضمن الخطة، بحسب المسؤول الوزاري، إنشاء مراكز لتجميع محاصيل الزيتون والفستق الحلبي وشرائها وفرزها ومعالجتها، بهدف تحسين الجودة ورفع القيمة المضافة، وتوفير قنوات أكثر استقرارًا لتسويق الإنتاج.
وأضاف أن البرامج التنفيذية ستشمل توفير شتول محسنة بأسعار تشجيعية، ودعم إدخال شبكات الري الحديثة، وتقديم الإرشاد الفني المستمر، وإنشاء مزارع نموذجية يمكن للمزارعين الاطلاع فيها على التقنيات المستخدمة ونتائجها.
كما ستنظم جولات استطلاعية باستخدام الطائرات المسيّرة، وستعمل الوزارة والجهات المنفذة على ربط المزارعين بالممارسات والتقنيات الزراعية الحديثة، بما يساعدهم على تحسين الإنتاج وترشيد استخدام الموارد.
وختم زكية بالقول إن البرنامج يتجاوز مفهوم حملات التشجير الموسمية إلى تطوير سلاسل إنتاج وتسويق متكاملة، تبدأ من اختيار الشتول والأصناف وإدارة المياه، ولا تنتهي عند جمع المحاصيل وفرزها وتسويقها.
وأكد أن الهدف هو بناء قطاع زراعي أكثر قدرة على مواجهة الجفاف والتغيرات المناخية، واستعادة جزء من الأشجار والغطاء النباتي الذي خسرته البلاد، مع رفع إنتاجية المزارعين وتحسين عائداتهم خلال السنوات الثماني المقبلة.