لم يكن انقطاع شبكات الاتصالات في مدينة الحجر الأسود مجرد خلل تقني، بل تحوّل على مدى سنوات إلى عزلة فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية، في مدينة عاد إليها آلاف السكان رغم استمرار الدمار وغياب معظم الخدمات الأساسية.
ومع بدء شركة MTN تركيب برج للاتصالات داخل المدينة، تنفّس كثير من الأهالي الصعداء، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل بداية لاستعادة أحد أهم مقومات الحياة، بعد سنوات من الانقطاع الذي صعّب التواصل ووصول الخدمات، وحتى استقبال الزوار.
وتصف ملك، وهي إحدى سكان الحجر الأسود، معاناة الأهالي خلال السنوات الماضية، مؤكدة أن غياب شبكات الهاتف المحمول كان يضاعف مشقة الحياة اليومية، ويجعل التواصل مع الخارج أو طلب المساعدة في الحالات الطارئة أمراً بالغ الصعوبة، معربة عن أملها بأن تكون عودة الشبكة بداية لتحسين بقية الخدمات.
ويؤكد أحمد أبو عدي، أحد سكان المدينة وصاحب محل لخدمات الاتصالات، أن الحجر الأسود عاش عزلة حقيقية منذ عودة الأهالي، قائلاً إن الزائر كان يضيع بين الشوارع المدمرة، دون أن يتمكن من الاتصال بأصحاب المنزل أو الحصول على إرشادات للوصول، في ظل غياب التغطية بشكل كامل.
ويضيف أن المشكلة كانت أكثر خطورة في الحالات الإسعافية، إذ كان الأهالي يضطرون إلى انتظار سيارة الإسعاف عند مدخل المدينة أو بالقرب من مبنى البلدية، ثم مرافقتها إلى المكان المطلوب، بسبب استحالة التواصل معها هاتفياً أو إرسال الموقع الجغرافي.
ولا يقتصر أثر غياب الاتصالات على الطوارئ فقط، إذ يروي أبو عدي مواقف يومية عاشها السكان، من بينها تعذر وصول ضيوف أو عائلات جاءت لخطبة إحدى الفتيات، بعدما فقدوا الاتصال بمجرد دخولهم المدينة، ما اضطرهم للاستدلال بالمحال التجارية حتى يصلوا إلى وجهتهم.
ويشير إلى أن اعتماد الأهالي على الإنترنت الهوائي داخل المنازل لم يكن حلاً، لأن الزائرين القادمين من خارج الحجر الأسود لا يملكون اتصالاً بالإنترنت أو تغطية هاتفية تتيح لهم التواصل مع أصحاب المنازل، الأمر الذي أبقى المدينة معزولة عن محيطها.
وبحسب أبو عدي، جاءت استجابة شركة MTN بعد مطالبات متواصلة من السكان، شارك فيها من خلال عمله في مجال الاتصالات، معتبراً أن تشغيل البرج شكّل مصدر ارتياح واسع بين الأهالي الذين طال انتظارهم لهذه الخدمة.
ورغم ذلك، يلفت إلى أن الخدمة ما تزال بحاجة إلى تحسين، مشيراً إلى ضعف التغطية والانقطاعات المتكررة نتيجة الضغط الكبير على البرج، فضلاً عن استمرار مشكلة مشتركي شركة سيريتل، الذين يشكلون نسبة كبيرة من سكان المدينة، ويضطر كثير منهم إلى شراء خطوط جديدة للاستفادة من الخدمة الحالية.
وفي موازاة عودة الاتصالات، يشهد الحجر الأسود تزايداً ملحوظاً في أعداد العائدين. ويقول أبو عدي إن الحي، الذي كان يضم قبل ثلاث سنوات عدداً قليلاً من السكان، بات اليوم شبه مكتمل بعد عودة الأهالي، مرجعاً ذلك إلى ارتفاع الإيجارات خارج المدينة، ما دفع كثيراً من العائلات إلى العودة رغم نقص الخدمات.
لكن عودة السكان سبقت عودة البنية التحتية، إذ لا تزال المدينة تعاني من نقص المياه والكهرباء، وتهالك شبكات الصرف الصحي والطرق. ويشير أبو عدي إلى أن فتحات الصرف المكشوفة تسببت بإصابة ابنه مرتين أثناء ذهابه إلى المدرسة، كما تعرض كبار سن وسائقون لحوادث مماثلة نتيجة انهيار الطرق.
ويؤكد أهالٍ آخرون أن تشغيل برج الاتصالات أعاد جزءاً من الحياة إلى المدينة، لكنه لا يكفي وحده، إذ ما تزال الحاجة ملحة لاستكمال تغطية شبكات الهاتف المحمول، وتأهيل البنية التحتية، وإعادة الخدمات الأساسية التي تواكب عودة آلاف العائلات إلى الحجر الأسود.
وكان موقع «سوريا 24» قد وثّق، في تقرير نشره في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعنوان «الحجر الأسود: الاتصالات عبء يرهق السكان»، حالة العزلة الرقمية التي عاشها الأهالي نتيجة غياب تغطية شركتي «MTN» و«سيريتل»، واضطرارهم إلى الاعتماد على الإنترنت الهوائي مرتفع التكلفة. ونقل التقرير حينها مطالب السكان بإعادة بناء أبراج الاتصالات وتشغيل الشبكات، بعد أن أثّر الانقطاع في تواصلهم وأعمالهم وتعليم أبنائهم وقدرتهم على طلب المساعدة في الحالات الطارئة.
وبينما يستعيد الحجر الأسود تدريجياً نبضه بعد سنوات الحرب، يرى سكانه أن الاتصالات ليست مجرد خدمة تقنية، بل وسيلة أمان تربطهم بالإسعاف، وأقاربهم، والعالم الخارجي، وخطوة أولى على طريق استعادة الحياة الطبيعية.
رابط التقرير السابق: