لم يكن الطريق إلى مقاعد الدراسة مفروشًا بالسهولة لمن قرروا العودة إليها بعد سنوات طويلة من الانقطاع، لكن الإصرار على استعادة حلم مؤجل كان أقوى من الظروف التي فرضتها الحرب والتهجير ومسؤوليات الحياة.
من بين هؤلاء، نورة وتداخل، وهي أم لخمسة أطفال، اثنان منهم ما يزالان في سن الرضاعة، تروي لـسوريا 24 رحلتها مع العودة إلى التعليم بعد أكثر من عقدين من الانقطاع. فمنذ تركها الدراسة عام 2004 بعد وصولها إلى الصف السادس الابتدائي، بقي حلم استكمال تعليمها حاضرًا في ذهنها، رغم العادات الاجتماعية والظروف المعيشية التي دفعتها إلى مغادرة المدرسة.
وتقول، في حديثها لـسوريا 24، إنها حاولت العودة إلى الدراسة عام 2019 استعدادًا لامتحان شهادة التعليم الأساسي، إلا أن تصاعد العمليات العسكرية في مدينة أريحا ونزوح خمس عائلات إلى منزلها حالا دون إكمال المحاولة، لتتأجل أحلامها مرة أخرى.
وتضيف أن محاولاتها لم تتوقف، فالتحقت لاحقًا ببرنامج “مسارات”، لكنها اضطرت إلى الانسحاب بسبب مسؤولياتها تجاه أطفالها وظروف الحرب، إلى أن جاءت مرحلة ما بعد التحرير، التي وصفتها بأنها الفرصة الحقيقية لاستعادة حلمها.
ورغم أنها كانت حاملًا بطفلتها الخامسة، تمكنت من اجتياز شهادة التعليم الأساسي بمعدل مرتفع، الأمر الذي شجعها على خوض تحدٍّ جديد بالتقدم إلى امتحانات الشهادة الثانوية هذا العام.
وتصف رحلتها بأنها كانت مليئة بالتحديات، بعدما اضطرت إلى دراسة منهاج مختلف إثر انتقالها بين المناطق، إضافة إلى صعوبة الموازنة بين دورها كزوجة وأم وطالبة، ورعاية أطفالها الصغار، والتنقل المستمر بسبب ظروف السكن.
وتستذكر بعض المواقف التي كادت تدفعها إلى الاستسلام، فتقول إن طفليها الصغيرين لم يتوقفا عن البكاء قبل ساعات من امتحان الفلسفة، بينما مرضت ابنتها قبيل امتحان اللغة العربية، ما أجبرها على تقسيم وقتها بين رعاية أطفالها والاستعداد للامتحانات.
وترى أن إيمانها بقيمة التعليم كان الدافع الأكبر للاستمرار، مؤكدة أن المرأة كثيرًا ما تتحمل مسؤوليات الأب والأم معًا في ظل انشغال الزوج لساعات طويلة خارج المنزل، وهو ما يجعل النجاح أكثر صعوبة، لكنه يبقى ممكنًا بالإصرار.
ولم تكن قصة محمد دياب أقل إلهامًا. فالشاب الثلاثيني، وهو أب لأربعة أطفال من ريف دمشق، عاد هذا العام إلى مقاعد الدراسة بعد انقطاع دام 15 عامًا، فرضته سنوات التهجير إلى شمال سوريا، ليعيد إحياء حلم ظن طويلًا أنه أصبح من الماضي.
ويقول محمد لـسوريا 24 إن وجود ابنه اليوم في الصف التاسع لم يكن سببًا للتراجع عن قراره، بل كان دافعًا إضافيًا للعودة إلى الدراسة، مؤمنًا بأن طلب العلم لا يرتبط بعمر، وأن الإنسان قادر على البدء من جديد متى توفرت الإرادة.
ويضيف أن قرار التقدم للامتحانات لم يكن سهلًا، إذ كان ينوي تأجيل التجربة إلى العام المقبل، قبل أن يغيّر تشجيع أفراد أسرته قراره. ويؤكد أنه حصل على بطاقة الامتحان في اليوم الأخير من التسجيل، بعد أن حسم أمره وقرر خوض التحدي.
ويصف لحظة إعلان النتائج بأنها كانت من أسعد لحظات حياته، بعدما نجح في تحقيق حلم انتظره سنوات طويلة، مؤكدًا أن النجاح بالنسبة له ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها، إذ يطمح اليوم إلى مواصلة تعليمه حتى المرحلة الجامعية، إيمانًا بأن الحرب والتهجير قد يؤجلان الأحلام، لكنهما لا يستطيعان إلغاءها.
وتُظهر الأرقام الرسمية أن عددًا كبيرًا من المتقدمين للامتحانات هذا العام كانوا من طلاب الدراسة الحرة، الذين عاد كثير منهم إلى التعليم بعد سنوات من الانقطاع. وبحسب وزارة التربية والتعليم، بلغت نسبة نجاح طلاب الدراسة الحرة في دورة الشهادة الثانوية لعام 2026 47.5% في الفرع العلمي و48.8% في الفرع الأدبي، مقابل 65.3% و68.2% على التوالي لطلاب الدراسة النظامية، ما يعكس حجم التحديات التي يواجهها العائدون إلى مقاعد الدراسة بعد انقطاع طويل.